Farsi    Arabic    English   
        

الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية

مقدمة



هذا الكتاب الذي أعرضه على أنظار القراء وضعته بمدينة زوريخ في ربيع سنة ١٩١٦. وفي ظروف عملي هناك عانيت، بطبيعة الحال، من بعض النقص في الكتب الفرنسية والإنجليزية ومن نقص كبير جدا في الكتب الروسية. ولكني قد استفدت، على كل حال، من المؤلف الإنجليزي الرئيسي بصدد الإمبريالية – كتاب ج. ا. هوبسون – بكل الانتباه الذي يستحقه هذا المؤلف حسب اعتقادي.

وقد وضعت الكتاب آخذا بعين الاعتبار الرقابة القيصرية. ولذا كنت مضطرا إلى الاقتصار بدقة على التحليل النظري وحده – ولاسيما الاقتصادي – وكذلك إلى منتهى الحذر في صياغة الملاحظات الضرورية غير الكثيرة بصدد السياسة، أي بالتلميح، بلغة لقمان، تلك اللغة الرمزية اللعينة التي كانت القيصرية تضطر جميع الثوريين إلى اللجوء إليها كلما أخذوا القلم لوضع كتاب «علني».

ومن المؤلم الآن، في أيام الحرية، أن أعيد قراءة مقاطع الكتاب التي شوهها التفكير في الرقابة القيصرية، المقاطع المكبوكة، المضغوطة كأنما في ملزمة من حديد. فلكيما أبين أن الامبريالية هي عشية الثورة الاشتراكية، وأن الاشتراكية-الشوفينية (الاشتراكية قولا والشوفينية فعلاً) هي خيانة تامة للاشتراكية وانتقال تام إلى جانب البرجوازية، وأن انقسام حركة العمال هذا منوط بظروف الامبريالية الموضوعية وغير ذلك، اضطرت إلى أن أتحدث بلغة «العبد»، ولذا أراني مضطرا إلى إحالة القارئ الذي تهمه المسألة إلى مجموعة مقالاتي التي كتبتها في الخارج سنوات ١٩١٤-١٩١٧ والتي سيعاد نشرها قريبا. ولابد من الإشارة الخاصة إلى مقطع من مقاطع الكتاب في الصفحتين ١١٩-١٢٠(*): لكيما أبين للقارئ بشكل تقبله الرقابة كيف يكذب دون خجل الرأسماليون وكذلك الاشتراكيون-الشوفينيون الذين انتقلوا إلى جانبهم (والذين لا يناضل كوتسكي ضدهم بالاستقامة اللازمة) في مسألة الإلحاق، وكيف يسترون دون خجل على الحاقات رأسمالييـهم، كنت مضطرا لأن أضرب مثلا… اليابان! ومن اليسير على القارئ الفطن أن يستعيض عن اليابان بروسيا وعن كوريا بفنلنده وبولونيا وكرولانده وأكرانيا وخيوه وبخارى وأستلنده وغيرها من المقاطعات التي يقطنها غير الروس.

وأود أن آمل بأن يساعد كتابي على تفهم المسألة الاقتصادية الأساسية التي لا يمكن بدون دراستها فهم شيء في تقدير الحرب المعاصرة والسياسة المعاصرة، نعني مسألة كنه الامبريالية الاقتصادي.

المؤلف
بتروغراد ٢٦ أبريل ١٩١٧




 

مقدمة للطبعتين الفرنسية والألمانية

١

وضعت الكتاب الحالي، كما أشرت في مقدمة الطبعة الروسية، سنة ١٩١٦، آخذا الرقابة القيصرية بعين الاعتبار. وليس بإمكاني أن أعدل النص بأكمله في الوقت الحاضر؛ وأحسب أن ذلك أمر عديم الجدوى، لأن مهمة الكتاب الأساسية كانت ولا تزال: أن يبين، بموجب مجمل أرقام الإحصاءات البرجوازية التي لا تقبل الجدل وبموجب اعترافات العلماء البرجوازيين في جميع البلدان، كيف كانت، في بدء القرن العشرين، قبيل الحرب الإمبريالية العالمية الأولى، الصورة الإجمالية للاقتصاد الرأسمالي العالمي ضمن علاقاته العالمية.

ومن ناحية أخرى سيكون من المفيد للكثيرين من الشيوعيين في البلدان الرأسمالية المتقدمة أن يتأكدوا، على مثال هذا الكتاب العلني من وجهة نظر الرقابة القيصرية، من إمكانية – بله ضرورة – الاستفادة حتى من القدر الطفيف من بقايا العلنية التي ما تزال باقية للشيوعيين، لنقل مثلا في أمريكا أو في فرنسا المعاصرتين بعد اعتقال الشيوعيين بمجموعهم تقريبا من عهد قريب؛ وذلك لتبيان كل بطلان نظرات الاشتراكيين المسالمين وعقدهم الآمال على «ديموقراطية عالمية». وسأحاول، في هذه المقدمة، إعطاء ما لا بد منه من إضافات على هذا الكتاب الخاضع للرقابة.

٢

لقد برهن في هذا الكتاب على أن حرب سنوات ١٩١٤-١٩١٨ كانت من جانب الطرفين حريا امبريالية (أي حرب غزو ونهب واغتصاب)، حربا من أجل تقاسم العالم، من أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات و«مناطق نفوذ» الرأسمال المالي والخ.

إذ أن الدليل على طابع الحرب الاجتماعي الحقيقي، أو بالأصح: على طابعها الطبقي الحقيقي، لا يكمن طبعا في تاريخ الحرب الديبلوماسي، بل في تحليل الحالة الموضوعية للطبقات المسيطرة في جميع الدول المتحاربة. ولتصوير هذه الحالة الموضوعية لا ينبغي أخذ أمثلة أو أدلة منعزلة (فرغم كون ظواهر الحياة الاجتماعية في منتهى التعقيد يمكن على الدوام إيجاد أي قدر من الأمثلة أو الأدلة المنعزلة لتعليل أي فكرة)، بل ينبغي حتما أخذ مجمل الأدلة عن أسس الحياة الاقتصادية في جميع الدول المتحاربة وفي العالم كله.

وهذه الأدلة الاجتماعية التي لا تدحض، هي بالضبط، ما ذكرته في لوحة تقاسم العالم في سنتي ١٨٧٦ و١٩١٤ (الفقرة السادسة) وفي لوحة توزيع السكك الحديدية في العالم أجمع في سنتي ١٨٩٠ و١٩١٣ (الفقرة السابعة). فالسكك الحديدية هي حاصل جميع الفروع الرئيسية في الصناعة الرأسمالية، صناعة الفحم الحجري والتعدين؛ هي حاصل وأكثر مقاييس تطور التجارة العالمية والحضارة البرجوازية الديموقراطية جلاء. وقد بينت فصول الكتاب السابقة كيف تتصل السكك الحديدية بالإنتاج الكبير، بالاحتكارات وبالسنديكات وبالتروستات وبالبنوك وبالطغمة المالية. إن توزيع خطوط السكك الحديدية وتفاوته وتفاوت تطورها هو حاصل الرأسمالية الاحتكارية الحديثة على النطاق العالمي. وهذا الحاصل يظهر في الحروب الإمبريالية هي أمر محتوم تماما على هذا الأساس الاقتصادي، طالما بقيت وسائل الإنتاج ملكا خاصا.

يبدو مد السكك الحديدية أمرا بسيطا وطبيعيا وديموقراطيا وثقافيا وتمدنيا، وهو يبدو كذلك في عيون الأساتذة البرجوازيين الذين تدفع لهم الأجور لكيما يجملوا وجه العبودية الرأسمالية، وفي عيون البرجوازيين الصغار التافهين الضيقيي الأفق. أما في الواقع فإن الخيوط الرأسمالية التي تربط بألوف الشباك هذه المشاريع بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بوجه عام قد جعلت من مد السكك الحديدية أداة لاضطهاد مليار من الناس (أشباه المستعمرات إضافة إلى المستعمرات)، أي لاضطهاد أكثر من نصف سكان الأرض في البلدان التابعة، وعبيد الرأسمال الأجراء في البلدان «المتمدنة».

إن الملكية الخاصة القائمة على عمل صغار أصحاب الأعمال، والمزاحمة الحرة، والديموقراطية – إن جميع هذه الشعارات التي يخدع بها الرأسماليون وصحافتهم العمال والفلاحين قد اندرجت بعيدا في طيات الماضي. لقد آلت الرأسمالية إلى نظام عالمي لاضطهاد الأكثرية الكبرى من سكان الأرض استعماريا وخنقها ماليا من قبل حفنة من البلدان «المتقدمة». ويجري اقتسام هذه «الغنيمة» بين ضاريين أو ثلاث ضوار أقوياء في النطاق العالمي، مسلحين من الرأس حتى أخمص القدمين (أمريكا وانجلترا واليابان) يجرون الأرض كلها إلى حربـهم من أجل اقتسام غنيمتـهم.
 

٣

إن صلح بريست-ليتوفسك الذي أملت شروطه ألمانيا الملكية، ومن بعده صلح فرساي الأكثر وحشية وحطة والذي أملت شروطه الجمهوريتان «الديموقراطيتان»، أمريكا وفرنسا، وكذلك إنجلترا «الحرة» قد قدما للبشرية خدمة نافعة جدا إذ فضحا الكتبة الخدم المأجورين للإمبريالية وكذلك البرجوازيين الصغار الرجعيين الذين، وإن كانوا يخلعون على أنفسهم ألقاب المسالمين والاشتراكيين، فإنهم يمتدحون «الولسونية» ويبرهنون على إمكان السلام والإصلاحات في ظل الإمبريالية.

إن عشرات الملايين من الجثث والمشوهين الذين تركتهم الحرب التي أضرمت نيرانها لتعيين ما إذا كانت الزمرة الإنجليزية أو الألمانية من قطاع الطرق الماليين ينبغي أن تنال حصة الأسد من الغنيمة، ثم «معاهدتي الصلح» هاتين، تفتح بسرعة لم تعهد من قبل عيون الملايين وعشرات الملايين من الناس الذين ظلمتهم البرجوازية وسحقتهم وخدعتهم وضللتهم. وعلى صعيد الخراب العالمي التي لا يمكنها أن تنتهي إلى غير الثورة البروليتارية وظفرها، مهما كانت طويل وقاسية تقلبات الأحوال التي لا بد لهذه الأزمة أن يجتازها.

إن بيان بال الصادر عن الأممية الثانية والذي أعطى، في سنة ١٩١٢، تقديرا لتلك الحرب التي اندلعت في سنة ١٩١٤ بالضبط، لا تقديرا للحرب بوجه عام (فالحروب تختلف ومنها ما تكون ثورية)، أن هذا البيان قد بقي أثرا للذكرى يعزي بصورة تامة إفلاس أبطال الأممية الثانية المشين وارتدادهم.

ولذلك أعيد نشر هذا البيان في ملحق لهذه الطبعة وألفت نظر القارئ مرة أخرى إلى أن أبطال الأممية الثانية يتجنبون بحذر مقاطع البيان التي تتحدث بصورة دقيقة ,واضحة ,وصريحة بالضبط عن صلة الحرب المقبلة بالثورة البروليتارية، يتجنبونها بنفس حذر اللص في تجنب المكان الذي ارتكب فيه السرقة.
 

٤

في هذا الكتاب وجه انتباه خاص لانتقاد «الكاوتسكية»، وهي تيار فكري عالمي يمثله في جميع بلدان العالم «كبار النظريين»، زعماء الأممية الثانية (في النمسا أوتو باور وشركاه وفي إنجلترا رمسي ماكدونالد وغيره وفي فرنسا البير توما وهلم جرا والخ.) وجمهور من الاشتراكيين والإصلاحيين والمسالمين والديموقراطيين البرجوازيين والكهنة.

وهذا التيار الفكري هو، من ناحية، نتاج فساد وتقيح الأممية الثانية وهو، من الناحية الأخرى، نتاج محتوم لإيديولوجية صغار البرجوازيين الذين يبقيهم وضع حياتهم بأكمله في أسر الأوهام البرجوازية والديموقراطية.

إن أمثال هذه النظرات عند كاوتسكي ومن على شاكلته هي ارتداد تام بالضبط عن الأسس الماركسية الثورية التي دافع عنها هذا الكتاب عشرات من السنين، ولاسيما – ونقول ذلك بالمناسبة – في النضال ضد الانتهازية الاشتراكية (لبرينشتين وميليران وهايندمان وغومبرس وهلم جراً). ولذلك ليس من باب الصدفة أن اتحد «الكاوتسكيون» الآن مع الانتهازيين المتطرفين في العالم أجمع عمليا وسياسيا (عن طريق الأممية الثانية أو الصفراء) ومع الحكومات البرجوازية (عن طريق الحكومات البرجوازية الائتلافية التي يساهم فيها الاشتراكيون).

إن الحركة البروليتارية الثورية بوجه عام والشيوعية بوجه خاص، هذه الحركة المتنامية في جميع أنحاء العالم، لا غنى لها عن تحليل وفضح الأخطاء النظرية التي تقترفها «الكاوتسكية». وهذا لا ندحة عنه لاسيما وأن النزعة المسالمة و«الديموقراطية» بوجه عام اللتين لا تدعيان بالماركسية إطلاقا، ولكنهما، شأن كاوتسكي وشركاه سواء بسواء، تطمسان عمق تناقضات الامبريالية وحتمية الأزمة الثورية التي تنشأ عنها، هما تياران ما زالا منتشرين لأقصى حد في العالم كله. والنضال ضد هذين التيارين هو أمر إلزامي لحزب البروليتاريا الذي يتوجب عليه أن ينتزع من البرجوازية صغار أصحاب الأعمال والملايين من الشغيلة المخدوعين بها والذين تحيط بهم لهذا الحد أو ذاك ظروف حياة البرجوازية الصغيرة.
 

٥

ولابد من بعض كلمات عن الفصل الثامن: «طفيلية الرأسمالية وتعفنها». إن هيلفردينغ، «الماركسي» سابقا وزميل كاوتسكي اليوم وأحد الممثلين الرئيسيين للسياسة البرجوازية الإصلاحية في «الحزب الاشتراكي-الديموقراطي الألماني المستقل»، قد خطا، كما سبق وأشرنا في متن هذا الكتاب، خطوة إلى الوراء في هذه المسألة بالمقارنة مع المسالم والإصلاحي الإنجليزي المكشوف هوبسون. فالانقسام العالمي لحركة العمال بأكملها قد تكشف الآن على أتمه (الأمميتان الثانية والثالثة). وقد تكشف كذلك واقع النضال المسلح والحرب الأهلية بين الاتجاهين: المناشفة و«الاشتراكيون-الثوريون» في روسيا يؤيدون كولتشاك ودينيكين ضد البلاشفة؛ وأنصار شيدمان ونوسكه وشركاه في ألمانيا هم مع البرجوازية ضد السبارتاكيين، والشيء نفسه في فنلندة وبولونيا والمجر الخ.. فما هو، إذن، الأساس الاقتصادي لهذه الظاهرة التاريخية العالمية؟

إنه يتلخص بالضبط في الطفيلية والتعفن الملازمين للرأسمالية في أعلى مراحلها التاريخية، أي في مرحلة الإمبريالية. فالرأسمالية، كما برهن في الكتاب الحالي، قد أبرزت الآن حفنة (أقل من عشر سكان الأرض، وفي أبعد حالة «للتسامح» والمغالات في التقدير، أقل من الخمس) من الدول في منتهى الغنى والقوى تنهب العالم كله بمجرد (قص الكوبونات). إن تصدير الرأسمال يعطي دخلا يتراوح بين ٨ و١٠ مليارات فرنك في السنة حسب أسعار ما قبل الحرب وحسب إحصاءات البرجوازية لما قبل الحرب. والآن أكثر جدا بطبيعة الحال.

وواضح أن هذا الربح الإضافي الهائل (إذ أنه يبتز إضافة إلى الربح الذي يعتصره الرأسماليون من عمال بلاد«ـهم») يمكن من رشوة زعماء العمال والفئة العليا التي تكون أريستوقراطية العمال. والرأسماليون في البلدان «المتقدمة» يرشون هذه الفئة، بآلاف الطرق، المباشرة وغير المباشرة العلنية والمستورة. إن هذه الفئة من العمال المتبرجزين أو «اريستوقراطية العمال»، الذين هم برجوازيون صغار تماما بنمط حياتهم ومقاييس أجورهم وبكامل نظرتهم للعالم، هي سند الأممية الثانية الرئيسي، وفي أيامنا سند البرجوازية الاجتماعي (لا العسكري) الرئيسي. لأن هؤلاء عملاء حقيقيون للبرجوازية في حركة العمال، متعهدون عمال في خدمة طبقة الرأسماليين (Labor lieutenants of the capitlistes class) وسائط حقيقية لنقل الإصلاحية والشوفينية. وأثناء الحرب الأهلية بين البروليتاريا والبرجوازية يقف هؤلاء حتما بعدد كبير إلى جانب البورجوازية، إلى جانب «الفورسالين» ضد «الكومونيين».

وإذا لم يدرك المرء الجذور الاقتصادية لهذه الظاهرة. إذا لم يقدر أهميتها السياسية والاجتماعية حق قدرها لا يستطيع أن يخطو خطوة في ميدان حل المهام العملية التي تواجه الحركة الشيوعية والثورة الاجتماعية المقبلة.

الإمبريالية عشية الثورة الاجتماعية البروليتارية. وقد ثبت ذلك منذ سنة ١٩١٧ في النطاق العالمي.

٦ يوليو ١٩٢٠
ن. لينين



(*) راجع هذا الكتاب، ص ٥٦٥. الناشر
        

الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية

الفصل الاول

الاحتكارات وتمركز الإنتاج


أثناء السنوات الخمس عشر أو العشرين الأخيرة، ولاسيما بعد الحرب الاسبانية-الأمريكية ١٨٩٨ والحرب الانجليزية-البويرية (١٨٩٩-١٩٠٢) أخذ الآداب الاقتصادية وكذلك السياسية في العالمين القديم والجديد يتطرق أكثر فأكثر إلى مفهوم «الإمبريالية» لوصف العصر الذي نجتازه. ففي سنة ١٩٠٢ صدر في لندن ونيويورك مؤلف اقتصادي إنجليزي هوبسون عنوانه: «الإمبريالية». والمؤلف، المتمسك بوجهة نظر النزعة البرجوازية للاشتراكية الإصلاحية والمسالمة، وهي وجهة نظر لا تختلف، في الجوهر، عن الموقف الذي يقفه حاليا الماركسي السابق كاوتسكي، قد أعطى وصفا ممتازا مفصلا لخواص الإمبريالية الاقتصادية والسياسية الأساسية. وفي سنة ١٩١٠ صدر في فيينا مؤلف الماركسي النمساوي رودولف هيلفردينغ عنوانه: «الرأسمال المالي» (الترجمة الروسية: موسكو، سنة ١٩١٢). إن هذا الكتاب، رغم غلطة المؤلف في مسألة نظرية النقود وميله بعض الشيء إلى التوفيق بين الماركسية والانتهازية، عبارة عن تحليل نظري قيم للغاية «لأحدث المراحل في تطور الرأسمالية» كما ينص العنوان الثانوي لمؤلف هيلفردينغ. إن ما قيل في السنوات الأخيرة عن الامبريالية، ولاسيما في العدد الكبير من مقالات المجلات والجرائد في هذا الموضوع وكذلك في القرارات، مثلا، مؤتمري خيمنيتز وبال المعقودين في خريف سنة ١٩١٢، لم يتعد، في الجوهر، دائرة الأفكار التي عرضها أو، بالأصح، التي لخصها المؤلفان المذكوران…

وسنسعى فيما يأتي لنعرض، بإيجاز وبأبسط شكل ممكن، صلة وتفاعل خواص الإمبريالية الأساسية. ولن نتطرق إلى الناحية غير الاقتصادية في المسألة مهما كانت جديرة بذلك. أمّا أسماء الكتب التي استشهدنا بها والملاحظات الأخرى التي قد لا تهم جميع القراء فنحيلها إلى آخر الكتاب.

* * * * *

إن نمو الصناعة الهائل والسرعة الكبرى في سير تمركز الإنتاج في مشاريع تتضخم باستمرار هما خاصة من أخص خصائص الرأسمالية. وتعطي الإحصاءات الصناعية الحديثة عن هذا السير أكمل المعلومات وأضبطها.

ففي ألمانيا، مثلا، كان يوجد بين كل ألف مشروع صناعي في سنة ١٨٨٢ - ٣ وفي سنة ١٨٩٥ - ٦ وفي سنة ١٩٠٧ - ٩ من المشاريع الكبرى، أي التي يعمل فيها أكثر من ٥٠ من العمال الأجراء. وكانت حصتها في كل مئة عامل ٢٢ ، ٣٠ و٣٧. ولكن تمركز الإنتاج أقوى جدا من تمركز العمال، لأن العمل في المشاريع الكبرى ذو إنتاجية أكبر جدا. وهذا ما تبنته الأرقام الخاصة بالماكينات البخارية والمحركات الكهربائية. فإذا أخذنا ما يسمى في ألمانيا الصناعة بمعنى الكلمة الواسع أي بما في ذلك التجارة وطرق المواصلات الخ.، حصلنا على الصورة التالية: المشاريع الكبرى ٣٠٥٨٨ من ٣٢٦٥٦٢٣، أي ٠٫٩٪ فقط. ولديها من العمال٫٥ ملايين و ٧٠٠ ألف من ١٤ مليونا و٤٠٠ألف أي ٣٩٫٤٪؛ ولديها ٦ملايين و ٦٠٠ألف حصان بخاري من ٨ ملايين و ٨٠٠ألف ، أي ٧٥٫٣٪؛ و١٫٢ مليون كيلواط من الطاقة الكهربائية من ١٫٥ مليون أي ٧٧٫٢٪.

في حوزة أقل من ١٪ من المشاريع أكثر من ٧٥٪ من مجموع كمية الطاقة البخارية والكهربائية! وثمة ٢٩٧ ألف من المشاريع الصناعية الصغيرة (حتى ٥ من العمال الأجراء) تؤلف ٩١٪ من مجموع المشاريع لا تزيد حصتها عن ٧٪ من مجموع الطاقة البخارية والكهربائية! عشرات الألوف من المشاريع الكبرى – كل شيء؛ والملايين من المشاريع الصغرى – لاشيء.

في سنة ١٩٠٧ كان في ألمانيا ٥٧٦ من المشاريع يشتغل في كل منها ألف عامل وما فوق. وكان لديها نحو عُشر مجموع عدد العمال (١٣٧٠٠٠٠) ونحو ثلث (٣٢٪) من مجموع الطاقة البخارية والكهربائية(١). وسنرى أن الرأسمال النقدي والبنوك تجعل تفوق هذه الحفنة من المشاريع الكبرى ساحقا لدرجة أكبر، ساحقا بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أن الملايين من «أصحاب الأعمال» الصغار والمتوسطين وحتى قسما من الكبار يجدون أنفسهم في الواقع مستعبدين بصورة تامة لبضع مئات من الماليين أصحاب الملايين.

ونمو تمركز الإنتاج أشد في بلد متقدم آخر من بلدان الرأسمالية الحديثة، في الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية. في هذه البلاد تتعمد الإحصاءات إبراز الصناعة بمعنى الكلمة الضيق وتصنيف المشاريع حسب مقادير قيمة الإنتاج السنوي. ففي سنة ١٩٠٤ وجد من المشاريع الضخمة التي يبلغ إنتاج كل منها مليون دولار وما فوق ١٩٠٠ (من ٢١٦١٨٠، أي ٠٫٩٪) لدينا ١٫٤ مليون من العمال (من ٥٫٥ مليون، أي ٢٥٫٦٪) وقيمة إنتاجها ٥٫٦ مليارات (من ١٤٫٨ مليار، أي ٣٨٪). وبعد مضي خمس سنوات، في سنة ١٩٠٩، كانت الأرقام على النحو التالي: ٣٠٦٠ مشروعا (من ٢٧٨٤٩١، أي ١٫١٪) لديها من العمال مليونان (من ٦٫٦ مليون، أي ٣٠٫٥٪) وقيمة إنتاجها ٩ مليارات (من ٢٠٫٧ مليار، أي ٤٣٫٨٪)(٢).

إن نحو نصف مجموع ما تنتجه جميع المشاريع في البلاد في أيدي جزء من مئة جزء من مجموع عدد المشاريع! وهذه المشاريع العملاقة الثلاثة آلاف تشمل ٢٥٨ من فروع الصناعة. ويتضح من ذلك أن التمركز، عند درجة معينة من تطوره، يوصل بحد ذاته إلى الاحتكار، ويمكن القول، إلى الاحتكار عن كثب. لأن من السهل على بضع عشرات من المشاريع العملاقة أن تتفق فيما بينها: ومن الجهة الأخرى، أن إعاقة المزاحمة والميل إلى الاحتكار ينشآن بالضبط عن ضخامة حجم المشاريع. وصيرورة المزاحمة والميل إلى الاحتكار هي ظاهرة من أهم الظواهر – إن لم تكن الأهم – في اقتصاد الرأسمالية الحديثة، وينبغي علينا أن نتناولها بمزيد من التفصيل. ولكن ينبغي علينا في بادئ الأمر أن نزيل ما قد يمكن من سوء الفهم.

تقول الإحصاءات الأمريكية: ٣٠٠٠ من المشاريع العملاقة في ٢٥٠ من الفروع الصناعية. وقد يتبادر إلى الذهن كأن هناك ١٢ من المشاريع العملاقة فقطفي كل فرع.

ولكن الأمر ليس كذلك، فالمشاريع الكبيرة لا توجد في كل فرع من فروع الصناعة؛ ومن الجهة الأخرى، أن من أهم خواص الرأسمالية التي بلغت أعلى مراحل تطورها ما يسمى بالتركيب، أي تجمع في مشروع واحد لفروع صناعية مختلفة تؤلف إمّا درجات متوالية من تلييف الخدمات (مثلا: صهر معدن الحديد وتحويل الزهر إلى فولاذ أو ربما كذلك إنتاج هذه أو تلك من المصنوعات الجاهزة من الفولاذ)، وأمّا أن يقوم احدها بدور مساعد للآخر (مثلا: الاستفادة من الفضلات أو من المنتوجات الثانوية؛ إنتاج مواد التعبئة، الخ.).

وقد كتب هيلفردينغ: «التركيب يسوي اختلافات الأحوال في الأسواق، لذلك يضمن للمشاريع المركبة معدلا من الربح أكثر ثباتا، والتركيب يفضي، ثانيا، إلى إزاحة التجارة. وهو، ثالثا، يجعل من الامكان الرقي التكنيكي، وبالتالي الحصول على ربح إضافي بالمقارنة مع المشاريع «الساده» (أي غير المركبة). وهو، رابعا، يعزز موقف المشروع المركب بالمقارنة مع «الساده»، إذ يقويه في صراع المزاحمة في حالة انحطاط قوي (ركود في الأعمال، أزمة)، عندما يكون انخفاض أسعار الخدمات أقل من انخفاض أسعار المنتوجات الجاهزة»(٣).

إن الاقتصاد البرجوازي الألماني هيمان الذي كرس مؤلفا خاصا لوصف المشاريع «المختلطة» أي المركبة – في صناعة التعدين الألمانية يقول: «تهلك المشاريع الساده مسحوقة بين ارتفاع أسعار الخدمات وانخفاض أسعار المنتوجات الجاهزة». ويكون الحاصل الصورة التالية:

«لقد بقيت، من جهة، كبريات شركات الفحم الحجري التي تستخرج من الفحم عدة ملايين من الأطنان والمتراصة التنظيم في سينديكات الفحم الحجري؛ ثم معامل صهر الفولاذ الضخمة المرتبطة بها ارتباطا وثيقا والتي تنظم في سنديكات الفولاذ. إن هذه المشاريع الهائلة التي تنتج ٤٠٠ ألف طن من الفولاذ في العام والتي تستخرج كميات هائلة من المعادن والفحم الحجري وتنتج المصنوعات الجاهزة من الفولاذ وتستخدم ١٠ ألف عامل يعيشون في ثكنات بلدات المعامل والتي تملك في بعض الأحيان سككها الحديدية وموانئها هي الممثل النموذجي لصناعة التعدين الألمانية. ويسير التمركز أبدا إلى الأمام. يتضخم بعض المشاريع: يتراص عدد متزايد من المشاريع فرع صناعي بعينه أو فروع صناعية مختلفة ضمن مشاريع ضخمة تجد سندا لها ومرشدا في نصف دزينة من البنود البرلينية الكبرى. وفيما يخص صناعة الاستخراج الألمانية أقيم البرهان بصورة دقيقة على صحة تعاليم كارل ماركس بصدد التمركز؛ صحيح أن هذا يتعلق ببلاد تحمي صناعتها الرسوم الجمركية الوقائية وتعريفات النقل. إن صناعة الاستخراج الألمانية قد نضجت للمصادرة»(٤).

هذا هو الاستنتاج الذي كان لا بد من أن يخلص إليه اقتصادي برجوازي، سليم النية كأمر استثنائي. تجدر الإشارة إلى أنه كأنما يبرز كحالة خاصة، نظرا لأن التعريفات الجمركية المرتفعة تحمي صناعتها. بيد أن كل ما تستطيعه هذا الظرف هو تعجيل التمركز وتشكيل اتحادات أصحاب العمل الاحتكارية، الكارتيلات والسنديكات والخ.. وما هو في منتهى الأهمية واقع أن التمركز في بلاد التجارة الحرة، انجلترا، يفضي كذلك إلى الاحتكار، وإن يكن بصورة أبطأ وربما بشكل آخر. وإليكم ما يقوله البروفيسور هرمن ليفي في مبحث خاص تناول فيه «الاحتكارات والكارتيلات والتروستات» على أساس معلومات عن التطور الاقتصادي في بريطانيا العظمى:

«إن الميل إلى الاحتكار في بريطانيا العظمى، بالضبط، في ضخامة حجم المشاريع وعلو مستواها التكنيكي. فالتمركز قد أفضى، من جهة، إلى أن المشاريع غدت تقتضي إنفاق الرساميل بمبالغ طائلة، ولذا تجد المشاريع الجديدة نفسها إزاء طلبات متزايدة فيما يخص مقدار الرأسمال الضروري، وهذا ما يعيق ظهورها. ومن الجهة الأخرى (ونعتبر هذا الأمر أكبر أهمية) ينبغي على كل مشروع جديد يريد أن يضارع المشاريع الهائلة التي أنشأها التمركز أن ينتج كمية هائلة من المنتوجات الفائضة بحيث لا يمكن بيعها بصورة مفيدة إلاّ في حالة ازدياد الطلب وازديادا خارقا، وفي الحالة المعاكسة يخفض من المنتوجات الأسعار إلى مستوى ليس في مصلحة المعمل الجديد ولا في مصلحة الاتحادات الاحتكارية». وخلافا للبلدان الأخرى التي تسهل فيها التعريفات الجمركية الوقائية تشكل الكارتيلات، لا تنشأ في انجلترا، في أكثرية الحالات، اتحادات أصحاب الأعمال الاحتكارية، الكارتيلات والتروستات، الا عندما ينحصر عدد المشاريع الرئيسية المتنافسة «في دزينتين فقط». «إن تأثير التمركز على نشوء الاحتكارات في الصناعة الضخمة يظهر هنا بصفاء البلور»(٥).

لنصف قرن مضى، عندما كتب ماركس مؤلفه «رأس المال» كانت المزاحمة الحرة تبدو «قانونا طبيعيا» في نظر الأكثرية الكبرى من الاقتصاديين. وقد حاول العلم الرسمي أن يقتل عن طريق مؤامرة الصمت مؤلف ماركس الذي برهن بتحليله النظري والتاريخي للرأسمالية على أن المزاحمة الحرة تولد تمركز الإنتاج وعلى أن هذا التمركز يفضي، عند درجة معينة من تطوره، إلى الاحتكار. وقد غدا الاحتكار الآن أمرا واقعا. والاقتصاديون يكتبون أكواما من الكتب واصفين فيها هذه الظاهرة أو تلك من مظاهر الاحتكار ومواصلين الصراخ بنغم واحد: «لقد دحضت الماركسية». ولكن الوقائع أشياء عنيدة كما يقول المثل الانجليزي ولابد للمرء من أن يحسب لها الحساب شاء أم أبى. والوقائع تظهر أن التباين بين مختلف البلدان الرأسمالية من حيث الحماية أو التجارة الحرة مثلا لا ينشأ عنه إلاّ تباين لا شأن له في شكل الاحتكارات أو في زمن نشوئها، في حين أن نشوء الاحتكارات عن تمركز الإنتاج هو القانون العام والأساسي في المرحلة الحديثة من تطور الرأسمالية.

ومن الممكن، بالنسبة لأوروبا، أن يحدد بدقة كبيرة زمن حلول الرأسمالية الحديثة نهائيا محل القديمة. إنه، بالضبط، أوائل القرن العشرين. ونقرأ في مؤلف من أحدث المؤلفات التلخيصية في تاريخ «تشكل الاحتكارات»:

«إن المرحلة السابقة لسنة ١٨٦٠ تعطي بعض الأمثلة عن الاحتكارات الرأسمالية؛ ومن الممكن أن تكتشف فيها الصور الجنينية للأشكال التي غدت الآن مألوفة تماما، ولكن لا ريب في أن كل ذلك هو بالنسبة للكارتيلات عهد ما قبل التاريخ. إن البداية الحقيقية للإحتكارات الحديثة تقع على أبعد حد في سنوات العقد السابع من القرن التاسع عشر. فالمرحلة الهامة الأولى لتطور الاحتكارات تبتدئ من الانحطاط الصناعي العالمي في العقد الثامن من القرن الماضي وتمتد إلى بداية العقد العاشر». «وإذا بحثنا الأمر على النطاق الأوروبي، وجدنا تطور المزاحمة الحرة قد بلغ أوجه في سنوات العقدين السابع والثامن. ففي ذلك الحين أنجزت انجلترا تنظيمها الرأسمالي على النمط القديم. وفي ألمانيا دخل هذا التنظيم في صراع فاصل مع الصناعتين الحرفية والمنزلية وبدأ ينشئ لنفسه أشكال وجوده».

«لقد بدأ انقلاب كبير منذ أزمة سنة ١٨٧٣، أو بالأصح، منذ الركود الذي تبعها والذي يملأ ٢٢ سنة من التاريخ الاقتصادي الأوروبي باستثناء انقطاع لا يكاد يلاحظ في مستهل العقد التاسع ونهوض خارق القوة إلاّ أنه قصير وقع سنة ١٨٨٩». «وفي أثناء مرحلة النهوض القصيرة في سنتي ١٨٨٩-١٨٩٠ استخدمت الكارتلات بصورة واسعة للاستفادة من أحوال السوق. إن سياسة غير بصيرة جعلت الأسعار تقفز أسرع وأعلى مما كان حدث في حالة عدم وجود الكارتيلات، وقد هلك معظم هذه الكارتيلات بصورة مزرية في «قبر الانهيار». لقد تلت ذلك خمس سنوات أخرى من الأحوال السيئة والأسعار المنخفضة، بيد أن الحالة النفسية لم تعد ذاتها في الصناعة. فالركود لم يعد ليعتبر أمرا بديهيا، إذ لم يعودوا يرون فيه إلاّ وقفة قبل أحوال جديدة ملائمة.

وها قد دخلت حركة تشكيل الكارتيلات عهدها الثاني. فبعد أن كانت الكارتيلات ظاهرة عرضية، أخذت تصبح أساسا من أسس الحياة الاقتصادية بأكملها. وهي تكتسب فرعا من فروع الصناعة بعد آخر وفي الدرجة الأولى فرع تكييف المواد الخام. وفي مستهل سنوات العقد العاشر وضعت الكارتيلات، بتنظيمها لسينديكا الكوك التي نظمت على طرازها فيما بعد سينديكا الفحم، آلية لتنظيم الكارتيلات لم تمض أبعد منها في الجوهر. أن النهضة الكبيرة في نهاية القرن التاسع عشر وأزمة سنوات ١٩٠٠-١٩٠٣ قد جرتا لأول مرة وبصورة تامة تحت شارة الكارتيلات، على الأقل في صناعتي الاستخراج والتعدين. وإذا كان قد غدا الآن في نظر الرأي العام الواسع أمرا بديهيا أن رفعت أهم أقسام الحياة الاقتصادية، كقاعدة عامة، من المزاحمة الحرة فإن ذلك قد بدا آنئذ كشيء جديد»(٦).

إن النتائج الأساسية لتاريخ الاحتكارات هي، إذن، الآتية: ١) سنوات العقد السابع والثامن من القرن الماضي هي قمة، ذروة تطور المزاحمة الحرة. لم تكن الاحتكارات غير أجنة بالكاد تلاحظ. ٢) بعد أزمة سنة ١٨٧٣ جاءت مرحلة نادرة ولم تكن وطيدة بعد. إنها ما تزال ظاهرة عرضية. ٣) نهضة أواخر القرن التاسع عشر وأزمة سنوات ١٩٠٠-١٩٠٣: تصبح الكارتيلات أساسا من أسس الحياة الاقتصادية بأكلها. تحولت الرأسمالية إلى إمبريالية.

تتفق الكارتيلات فيما بينها على شروط المبيع وآجال الدفع وغير ذلك. وهي تقتسم مناطق التصريف، وهي تحدد كمية المنتوجات وهي تعين الأسعار، وهي توزع الأرباح بين مختلف المشاريع وهلم جرا.

لقد بلغ عدد الكارتيلات في ألمانيا على وجه التقريب ٢٥٠ في سنة ١٨٩٦ و٣٨٥ في سنة ١٩٠٥ تضم حوالي ١٢ ألف مؤسسة(٧). ولكن الجميع يعترفون بأن حتى الـ١٢ ألف من المشاريع الضخمة تملك وحدها، على ما يبدو، أكثر من نصف مجموع كمية الطاقة البخارية والكهربائية. وقدّر عدد التروستات في الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية بـ١٧٥ في سنة ١٩٠٠ وبـ٢٥٠ في سنة ١٩٠٧. وتقسم الإحصاءات الأمريكية جميع المشاريع الصناعية إلى ملك لأفراد أو لشركات أو لاتحادات. وكانت هذه الأخيرة تملك في سنة ١٩٠٤ ٧٠٫٦٪ وفي سنة ١٩٠٩ ٢٥٫٩٪، أي أكثر من ربع مجموع عدد المشاريع. وكانت تستخدم من العمال في سنة ١٩٠٤ ٧٠٫٦٪ وفي سنة ١٩٠٩ ٧٥٫٦٪، أي ثلاثة أرباع المجموع؛ وكانت قيمة إنتاجها في السنتين المذكورتين ١٠٫٩ مليار دولار و١٦٫٣ مليار دولار، أي ٧٣٫٧ ٪ و٧٩٫٠٪ من المبلغ الإجمالي.

وغالبا ما تتركز في أيدي الكارتيلات والتروستات سبعة أو ثمانية أعشار مجموع الإنتاج في فرع من فروع الصناعة. فسينديكا فحم إقليم الرين-فيستفاليا كانت، عندما تشكلت في سنة ١٨٩٣، تركز في يدها ٨٦٫٧٪ من مجموع إنتاج الفحم في الإقليم، أما في سنة ١٩١٠ فقد غدت تركز ٩٥٫٤٪(٨). والاحتكار الذي يتكون على هذه الصورة يؤمن المداخيل الطائلة ويؤدي إلى تشكيل وحدات إنتاجية تكنيكية هائلة الحجم. إن تروست النفط الشهير (Standad Oil Company) في الولايات المتحدة قد تأسس في سنة ١٩٠٠. «وقد بلغ رأسماله ١٥٠ مليون دولار. وأصدرت الأسهم العادية بمبلغ ١٠٠ مليون والأسهم الممتازة بمبلغ ١٠٦ مليون. ودفع لهذه الأخيرة من العائدات في سنوات ١٩٠٠-١٩٠٧: ٤٨٪، ٤٨٪، ٤٥٪، ٤٤٪، ٣٦٪، ٤٠٪، ٤٠٪، ٤٠٪، أي ما مجموعه ٣٦٧ مليون دولار. ومن سنة ١٨٨٢ إلى سنة ١٩٠٧ بلغ الربح الصافي ٨٨٩ مليون دولار وزع منها على حملة الأسهم ٧٫٧ ملايين وسجل الباقي رأسمالا احتياطيا»(٩). «وفي سنة ١٩٠٧ كان في جميع معامل تروست الفولاذ (United States Steel Corporation) ما لا يقل عن ٢١٠١٨٠ من العمال والمستخدمين. وفي سنة ١٩٠٨ كان أكبر مشروع في صناعة الاستخراج الألمانية، شركة مناجم غيلسنكيرخين يستخدم ٤٦٠٤٨ من العمال والمستخدمين»(١٠). وفي سنة ١٩٠٢، كان تروست الفولاذ ينتج ٩ ملايين طن من الفولاذ(١١). وبلغ ما أنتجه من الفولاذ ٦٦٫٣٪ في سنة ١٩٠١ و٥٦٫١٪ في سنة ١٩٠٨ من مجموع إنتاج الفولاذ في الولايات المتحدة(١٢)، وما استخرجه من المعادن في السنتين المذكورتين ٤٣٫٩٪ و٤٦٫٣٪.

لقد جاء في تقرير اللجنة الحكومية الأمريكية عن التروستات: «إن تفوقها على المزاحمين يستند إلى ضخامة حجم مشاريعها وإلى تجهيزها التكنيكي الممتاز. فتروست التبغ قد بذل كل جهوده منذ تأسيسه ليحل العمل الآلي محل العمل اليدوي في نطاق واسع وفي جميع الميادين. وقد اشترى لهذا الغرض جميع براءات اختراع التي لها أية علاقة بتحضير التبغ وأنفق على ذلك مبالغ طائلة. وتبين أن الكثير من هذه الاختراعات كان في بادئ الأمر غير صالح وتأتى على المهندسين المستخدمين في التروست ضبطها. وفي أواخر سنة ١٩٠٦ أنشئت شركتان فرعيتان هدفهما الوحيد شراء براءات الاختراع. وللعرض ذاته أنشأ التروست مصانع الصهر ومصانع الماكينات وورشات التصليح. وإحدى هذه المؤسسات، في بروكلين، تستخدم ٣٠٠ عامل بالمتوسط، وفيها تجري تجربة الاختراعات وتحسينها لصنع السجائر والنوع الصغير من السيكار والنشوق وأوراق القصدير للف والعلب وغير ذلك(١٣)». «والتروستات الأخرى تستخدم كذلك ما يسمى (المهندس لتطوير التكنيك)؛ ومهمتهم إيجاد أساليب جديدة للإنتاج وتجربة التحسينات التكنيكية. ويدفع تروست الفولاذ لمهندسيه وعماله جوائز عالية لقاء كل اختراع يحسن التكنيك أو يخفض التكاليف»(١٤).

وعلى النمط نفسه نظمت قضية التحسينات التكنيكية في الصناعة الألمانية الكبيرة، مثلا في الصناعة الكيميائية التي تطورت بصورة هائلة خلال عشرات السنين الأخيرة. فإن تمركز الإنتاج قد أنشأ في هذه الصناعة نحو سنة ١٩٠٨ «فريقين» رئيسيين جنحا كذلك، على طريقتهما، إلى الاحتكار. ففي بادئ الأمر، كان هذان الفريقان «تحالفين مزدوجين» بين زوجين من أضخم المعامل رأسمال كل منهما من ٢٠-٢١ مليون مارك: من جهة معامل مايستر السابق في هوخست وكاسيله في فرانكفورت على الماين؛ ومن الجهة الأخرى معمل الأنيلين والصودا في لودفيغسهافن ومعمل باير السابق في إيلبيرفيلد. ثم، في سنة ١٩٠٥، عقد أحد الفريقين وفي سنة ١٩٠٨ عقد الفريق الآخر، كل على انفراد، اتفاقا مع معمل كبير آخر. فكانت النتيجة ظهور «تحالفين ثلاثيين» رأسمال كل منهما من ٤٠-٥٠ مليون مارك فبدأ بين هذين «التحالفين» «التقارب» و«التفاهم» حول الأسعار وغير ذلك(١٥).

المزاحمة تتحول إلى احتكار. وينتج عن ذلك تقدم هائل في اتخاذ الإنتاج صبغة اجتماعية، بما في ذلك أيضا ميدان الاختراعات والتحسينات التكنيكية.

إنه حال يختلف كل الاختلاف عن المزاحمة الحرة القديمة بين أصحاب أعمال مبعثرين لا يعلم أحدهم شيئا عن أحوال الآخر وينتجون للتصريف في سوق مجهولة. لقد بلغ التمركز حدا غدا معه في الإمكان إجراء جرد تقريبي لجميع مصادر الخامات (مثلا مصادر معدن الحديد) في بلاد معينة أو حتى، كما سنرى، في جملة من البلدان وفي العالم بأسره. ولا يقتصر الأمر على إجراء هذا الجرد، بل وتضع اتحادات احتكارية هائلة أيديها على هذه المصادر وتستولي عليها. ويجري حساب تقريبي لاستيعاب الأسواق التي «تقسمها» هذه الاتحادات فيما بينها على أساس العقود. تحتكر الأيدي العاملة المدربة وتستأجر نخبة المهندسين ويستولي على طرق ووسائط المواصلات – السكك الحديدية في أمريكا، شركات البواخر في أوروبا وأمريكا. فالرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية توصل رأسا إلى إعطاء الإنتاج صبغة اجتماعية شاملة، وهي تجر الرأسماليين، إن أمكن القول، رغم إرادتهم وإدراكهم، إلى نظام اجتماعي جديد، انتقالي من حرية المزاحمة التامة إلى الاصطباغ التام بالصبغة الاجتماعية.

يغدو الإنتاج اجتماعيا، ولكن التملك يبقى خاصا. تظل وسائل الإنتاج الاجتماعية ملكا خاصا لعدد ضئيل من الأفراد. يبقى الإطار العام للمزاحمة الحرة المعترف بها شكليا، ويغدو ظلم حفنة الاحتكاريين لبقية السكان أثقل وأشد بمائة مرة.

لقد كرس الاقتصاد الألماني كستنر مؤلفا خاصا لموضوع «الصراع بين الكارتيلات والدخلاء»، أي أصحاب الأعمال غير المنتظمين للكارتلات. وقد أسمى هذا الكتاب «الإجبار على التنظيم»، في حين كان ينبغي الحديث عن الإجبار على الخضوع لاتحادات الإحتكاريين، وذلك طبعا لكيلا تطلى الرأسمالية بالمساحيق. ومن المفيد أن نلقي نظرة ولو على قائمة الوسائل التي تلجأ إليها اتحادات الاحتكاريين في الصراع الراهن، الحديث، المتمدن، من أجل «التنظيم»: ١) الحرمان من المواد الخام («…طريقة من أهم طرق الإجبار على الانضمام إلى الكارتيل»)؛ ٢) الحرمان من الأيدي العاملة عن طريق «الائتلافات» (أي العقود بين الرأسماليين ونقابات العمال بشأن عدم قبول هذه الأخيرة العمل إلاّ في المشاريع المنظمة إلى الكارتيلات)؛ ٣) الحرمان من وسائط النقل؛ ٤) الحرمان من أسواق التصريف؛ ٥) عقود مع الشارين بشأن عدم إقامة العلاقات التجارية إلاّ مع الكارتيلات وحدها؛ ٦) تخفيض الأسعار بصورة منظمة (ليفلس «الدخلاء»، أي المشاريع غير الخاضعة للاحتكاريين؛ تنفق الملايين للبيع بأقل من التكاليف خلال زمن معين: فقد حدثت فترات خفضت فيها الأسعار في صناعة البنزين من ٤٠ إلى ٢٢ ماركا، أي نحو النصف! ٧) الحرمان من التسليف؛ ٨) إعلان المقاطعة.

إن ما نراه ليس بصراع بالمزاحمة بين مشاريع صغيرة وكبيرة، متأخرة التكنيك وراقية التكنيك. إن ما نراه هو خنق الاحتكاريين للذين لا يخضعون للاحتكارات ولظلمها وعسفها. وإليكم صورة انعكاس هذه العملية في ذهن اقتصادي برجوازي:

كتب كستنر: «وحتى في ميدان النشاط الاقتصادي الصرف يجري بعض التحول من النشاط التجاري بمعنى الكلمة السابق إلى نشاط المضاربة التنظيمي. ومن يحرز النجاح الأكبر ليس التاجر الذي تتيح له خبرته الفنية والتجارية أن يحرز على خير وجه حاجات المشترين، أن يجد وأن «يكتشف»، إن أمكن القول، الطلب الموجود في حالة خفية، بل العبقري في المضاربة (؟!) القادر على أن يحسب مقدما أو، على الأقل، أن يحس تطور التنظيم والصلات المحتملة بين هذه أو تلك من المشاريع أو البنوك…».

ومعنى ذلك إذا ترجم إلى لغة الناس أن تطور الرأسمالية قد بلغ حدا تقوض فيه الإنتاج البضاعي فعلا وإن كان ما زال «سائدا» كالسابق وما زال يعتبر أساسا للاقتصاد كله، وتصبح فيه الأرباح الرئيسية من نصيب «عباقرة» الملاعيب المالية. وتقوم هذه الملاعيب والاحتيالات على أساس اكتساب الإنتاج للصفة الاجتماعية، ولكن تقدم البشرية الهائل التي توصلت بعملها إلى حد اكتساب الإنتاج للصفة الاجتماعية يصبح مفيدا… للمضاربين. وسنرى فيما يأتي كيف أن نقاد الإمبريالية الرأسمالية من صغار البرجوازيين الرجعيين يحملون «على هذا الأساس» بالعودة إلى الوراء، إلى المزاحمة «الحرة»، «السلمية»، «الشريفة».

يقول كستنر: «إن ارتفاع الأسعار مدة طويلة كنتيجة لتشكل الكارتيلات لم يلاحظ حتى الآن إلاّ فيما يخص أهم وسائل الإنتاج، ولاسيما الفحم الحجري والحديد والقلى، وبالعكس، لم يلاحظ أبدا فيما يخص المنتوجات الجاهزة. والارتفاع في العائدات الناشئ عن ذلك قد اقتصر أيضا على صناعة وسائل الإنتاج. وينبغي أن نضيف إلى هذه الملاحظة أن صناعة تكييف المواد الخام (لا المصنوعات نصف الجاهزة)، عدا أنها تجني – بفضل تشكل الكارتيلات – الفوائد بشكل أرباح مرتفعة لما فيه خسارة الصناعة المشغولة بإكمال المصنوعات نصف الجاهزة، قد اكتسب حيال هذه الصناعة نوعا من السيطرة لم يكن لها وجود في زمن المزاحمة الحرة»(١٦).

إن الكلمات التي أشرنا إليها تبين كنه القضية الذي لا يعترف به الاقتصاديون البرجوازيون إلاّ نادرا وبغير رغبة والذي يسعى إلى تجنبه وإهماله جهد طاقتهم المدافعون الحاليون عن الانتهازية وعلى رأسهم كارل كاوتسكي. فعلاقات السيطرة والقسر الناجم عنها هو ما يميز «المرحلة الحديثة في تطور الرأسمالية»، هو ما كان لا بد أن ينتج وما نتج فعلا عن تشكل الاحتكارات الاقتصادية الكلية القدرة.

لنذكر مثلا آخر عن سيطرة الكارتيلات. إن نشوء الكارتيلات وتشكل الاحتكارات هو أمر في غاية السهولة حيث يمكن الاستيلاء على جميع مصادر الخامات أو على القسم الرئيسي من هذه المصادر. ولكن من الخطأ الظن أن الاحتكارات لا تنشأ كذلك في الفروع الصناعية الأخرى التي لا يمكن فيها الاستيلاء على مصادر الخامات. فصناعة الأسمنت تجد الخامات في كل مكان. بيد أن الكارتيلات قد اتحدت المعامل في سينديكات اقليمية: سينديكات جنوب ألمانيا وسينديكات إقليمي الرين-فيستفاليا والخ.. والأسعار هي أسعار الاحتكارات: ٢٣٠-٢٨٠ ماركا قيمة عربة القطار في حين أن تكاليفها ١٨٠ ماركا! وتعطي المشاريع ١٢-١٦٪ لحملة الأسهم؛ ولكن لا ينبغي أن ننسى أن «عباقرة» المضاربة العصرية يحسنون توجيه مبالغ من الأرباح إلى جيوبهم فضلا عما يوزع على حملة الأسهم. وبغية إزاحة المزاحمة من صناعة تدر مثل هذه الأرباح لا يحجم الاحتكاريون حتى عن الأحابيل: ينشرون إشاعات كاذبة عن سوء الحال في الصناعة، ينشرون في الصحف إعلانات مغفلة: «أيها الرأسماليون! حذار أن توظفوا رؤوس أموالكم في صناعة الأسمنت»، وأخيرا يشترون معامل «الدخلاء» (أي غير المنضمين إلى السينديكات)، ويدفعون لهم «خلوّا» ٦٠-٧٠-١٥٠ ألف مارك(١٧). يشق الاحتكار طريقه في كل مكان وبكل الوسائل، ابتداء من دفع الخلوّ «المتواضع» وانتهاء «بتطبيق» الطريقة الأمريكية لنسف المزاحم بالديناميت.

أمّا قضاء الكارتيلات على الأزمات فهو قصة اختلقها الاقتصاديون البرجوازيون الذين يسعون وراء طلي الرأسمالية بالمساحيق مهما كلف الأمر. بالعكس، إن الاحتكار، عندما ينشأ في بعض الفروع الصناعية، يشدد ويزيد الفوضى التي تلازم الإنتاج الرأسمالي بأكمله. فعدم التناسب بين تطور الزراعة والصناعة، الأمر المميز للرأسمالية بوجه عام، يزداد لدرجة أكبر. إذ أن الوضع الممتاز الذي تجد فيه نفسها الصناعة الأكثر تنظيما في الكارتيلات، ما يسمى بالصناعة الثقيلة، ولاسيما صناعة الفحم والحديد، يفضي، في الفروع الصناعية الأخرى، إلى «انعدام المنهاجية لدرجة أشد» كما يعترف ييدلس الذي وضع كتابا من أحسن الكتب عن «العلاقات بين البنوك الألمانية الكبرى والصناعة»(١٨).

وقد كتب ليفمن، المدافع عن الرأسمالية دون حياء: «كلما كان الاقتصاد الوطني أكثر تطورا، كلما اتجه نحو المشاريع التي تنطوي على المجازفة أو الموجودة في الخارج، نحو المشاريع التي تحتاج لتطورها زمنا طويلا أو، أخيرا، نحو تلك التي لا يتعدى أهميتها النطاق المحلي»(١٩). إن ازدياد المجازفة ينشأ في نهاية الأمر عن ازدياد الرأسمال ازديادا هائلا فيفيض، إن أمكن القول، ويتدفق إلى الخارج والخ.. ثم إن تنامي التكنيك بسرعة متزايدة يسفر عن مزيد ومزيد من عناصر عدم التناسب بين مختلف نواحي الاقتصاد الوطني، ومن الفوضى والأزمات. وقد اضطر ليفمن ذاته إلى الاعتراف قائلا: «ربما كان على البشرية أن تواجه مرة أخرى في المستقبل القريب انقلابات كبيرة في حقل التكنيك سيكون لها تأثيرها كذلك على التنظيم الاقتصادي الوطني»… الكهرباء، الطيران…«وفي المعتاد وكقاعدة عامة تشتد المضاربة بقوة في أزمنة التغيرات الاقتصادية الجذرية…»(٢٠).

والأزمات بأنواعها – الاقتصادية في الأغلب، ولكن ليست اقتصادية وحدها – تشدد بدورها، في نطاق واسع، الميل إلى التمركز وإلى الاحتكار. وهاكم أراء ييدلس بليغة الدلالة عن أهمية أزمة سنة ١٩٠٠، الأزمة التي كانت، كما نعلم، نقطة تحول في تاريخ الاحتكارات الحديثة:

«وحين تفجرت أزمة ١٩٠٠ كان هناك، إلى جانب المشاريع الهائلة في الفروع الصناعية الرئيسية، عدد كبير من المشاريع ذات التنظيم المتأخر حسب المفهوم الحالي، مشاريع «ساده»» (أي غير المركبة) «رفعتها إلى أعلى موجة النهضة الصناعية. فهبوط الأسعار وانخفاض الطلب قد ساقا هذه المشاريع «الساده» إلى حال من الشدة لم تمس المشاريع الهائلة المركبة بتاتا أو مستها لفترة قصيرة جدا. وبنتيجة ذلك أدت أزمة سنة١٩٠٠ إلى التمركز الصناعي بمقاييس أكبر جدا من أجمة سنة ١٨٧٣: فهذه الأخيرة قامت أيضا بنوع من الاصطفاء لأحسن المشاريع، ولكن هذا الاصطفاء لم يمكنه، مع مستوى التكنيك في ذلك العهد، ان يسفر عن احتكار تلك المشاريع التي خرجت من الأزمة ظافرة، وهذا الاحتكار المديد والمتطور جدا هو بالضبط ما تملكه – بفضل تكنيكها المعقد منتهى التعقيد وتنظيمها الدقيق للغاية وقوة رأسمالها – المشاريع الهائلة في صناعتي الحديد والكهرباء الراهنتين ثم، لدرجة أقل، مشاريع صناعة بناء الماكينات وبعض فروع صناعة التعدين وطرق المواصلات وغير ذلك»(٢١).

الاحتكار هو آخر كلمة لـ«أحدث المراحل في تطور الرأسمالية». ولكن تصورنا لمدى قوة وأهمية الاحتكارات الحديثة يكون غير واف أبدا وغير تام، ومنقوصا إن لم نأخذ بعين الاعتبار دور البنوك..





(١) الأرقام منAnnalen des deutschen Reichs, 1911 Zahn (المجلة السنوية للدولة الألمانية، سنة ١٩١١، تسان. الناشر

(٢) Statistical Abstract Of the United States 1912, p202 (مجموعة إحصاءات الولايات المتحدة لسنة ١٩١٢، ص ٢٠٢. الناشر)

(٣) «الرأسمال المالي»، الترجمة الروسية، ص ص ٢٨٧-٢٨٦.

(٤) Hans Gideon Heymann. «Die gemischten Werke im deutschen Grobeisengewerbe». Stuttgart, 1904 (SS. 256, 278-279)(هانس غيديون هيمان. «المشاريع المختلطة في صناعة التعدين الألمانية الضخمة». شتوتغارت، سنة ١٩٠٤ (ص ص ٢٥٦، ٢٧٨-٢٧٩). الناشر

(٥) Hermann Levy «Monopole, Kartelle und Trusts». Jena 1909, » SS. 286, 290, 298.. (هرمن ليفي. «الاحتكارات والكارتيلات والتروستات». يينا، سنة 1909، ص ص ٢٨٦، ٢٩٧. الناشر)

(٦) Te Vogelstein. «Die finanzielle Organisation der Kapitalistischen Industrie und die Monopolbildungen» «Grundrib der Sozialökonomik» في VI Abt., 1914 (ت. فوغلشتين. «التنظيم المالي للصناعة الرأسمالية وتشكل الاحتكارات» في «أسس الاقتصاد الاجتماعي». الفصل السادس، توبتغين، 1914. الناشر.) قارنوا الكتاب للمؤلف نفسه: «Organisationsformen der Eienindustrie und Textilindustrie in England und Amerika» Bd. I, Lpz, 1910 الأشكال التنظيمية لصناعتي التعدين والنسيج في انجلترا وأمريكا. المجلد الأول، ليبزيغ، ١٩١٠. الناشر).

(٧) Dr. Riesser «Die deutschen Grobbanken und ihre Konzentrtion im Zusammenhange mit der Entwicklung der Gesamtwirtschaft in Deutschland». 4 Aufl., 1912, S. 149. R. Liefmann/ «Kartelle und Trusts und die Weiterbildung der volkswirtechaftlichen Organisation». 2. Aufl. 1910, S. 25الدكتور ريسر. «البنوك الألمانية الكبيرة وتمركزها بالاتصال مع التطور الاقتصادي العام في ألمانيا». الطبعة الرابعة، سنة 1912، ص 149. – ر. ليفمن. «الكارتيلات والتروستات واطراد تطور تنظيم الاقتصاد الوطني». الطبعة الثانية، سنة ١٩١٠، ص 25. الناشر)

(٨) Dr Fritz Kestner. «Der Organisatonszwang. Eine Untersuchung über die Kämpfe zwischen Kartellen und Aubenseitern». Brl., 1912 ص ١١ (الدكتور فريتس كستنر. «القسر على التنظيم. دراسة عن الصراع بين الكارتيلات والدخلاء» برلين. الناشر)

(٩) R. Liefmann/ «Beteiligungs-und Finanzierungsgesellschaften. Eine Studie über den modernen Kapitalismus und das Effektenwesen». I. Aufl. , Jena, 1909 ص 212 (ر. ليفمن. «شركات الاشتراك والتمويل. دراسة عن الرأسمالية الحديثة وعن دور الأوراق المالية». الطبعة الأولى، يينا. الناشر)

(١٠) المصدر نفسه، ص ٢١٨.

(١١) Dr. S. Tschierschky. «Kartell und Trust». Gött., 1903 ص ١٣ (الدكتور س. تشيرشكي. «الكارتيل والتروست». غوتينغين. الناشر.).

(١٢) Th. Vogelstein. «Organisatiosformen، ص ٢٧٥ (ت. فوغيلشتاين «الاشكال التنظيمية»، ص ٢٧٥ الناشر).

(١٣) Report of the Commissioner of Corporation on the Tobacco Industry. Washington, 1909 ص ٢٢٦ (تقرير عضو اللجنة حول الاتحادات في صناعة التبغ. ١٩٠٩ واشنطن. الناشر). وقد اقتبست الفقرة عن كتاب Dr. Paul Tafel/ «Die nordamerikanschen Trusts und ihre Wirkungen auf den Fortschritt der Technik». Stuttgart, 1913 ص ٤٨ (الدكتور بول تافيلا. «التروستات في أمريكا الشمالية وتأثيرها على تطور التكنيك». شتوتغارت. الناشر).

(١٤) المصدر نفسه ص ص ٤٨-٤٩.

(١٥) Rieser ، الكتاب المذكور، ص ٥٤٧ وما يليها، الطبعة الثالثة. وتفيد الصحف (يونيو ١٩١٦) عن إنشاء تروست جديد هائل الضخامة يوحد الصناعة الكيماوية الألمانية.

(١٦) كستنر. الكتاب المذكور. ص ٢٥٤.

(١٧) «Zement» von L. Eschwege. «Die Bank», 1909,1 ص ١١٥ وما يليها («الأسمنت» ل. ايشفيغه. مجلة «البنك». الناشر).

(١٨) Jeidels/ «Das verhältnis der deutschen Grobanken zur Industrie mit besonderer Berücksichtigung der Eisenindustrie». Lpz. , 1905، ص ٢٧١ (ييدلس. «العلاقات بين البنوك الألمانية الكبرى والصناعة ولاسيما صناعة التعدين» ليبزغ. الناشر).

(١٩) ليفمن… ص ٤٣٤.

(٢٠) ليفمن… ص ص ٤٦٥-٤٦٦.

(٢١) Jeidels ، ص ١٠٨

        

الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية

الفصل الثاني

البنوك ودورها الجديد


إن وظيفة البنوك الأساسية وأولى هي الوساطة في الدفع. وأثناء ذلك تحول البنوك الرأسمال النقدي غير العامل إلى رأسمال عامل، أي إلى رأسمال يدر الأرباح، وتجمع العائدات النقدية بشتى أنواعها وتضعها تحت تصرف طبقة الرأسماليين.

ومع تطور الشؤون البنكية وتمركزها في مؤسسات قليلة العدد، تتحول البنوك من وسطاء متواضعين إلى احتكارات شديدة الحول والطول تتصرف بمعظم الرأسمال النقدي العائد لمجموع الرأسماليين وصغار أصحاب الأعمال وكذلك بالقسم الأكبر من وسائل الإنتاج ومصادر الخامات في بلاد معينة أو في جملة من البلدان. وتحول الوسطاء الكثيرين المتواضعين إلى حفنة من الاحتكاريين هو وجه أساسي من وجوه صيرورة الرأسمالية إلى امبريالية رأسمالية، ولذا ينبغي لنا أن نتناول في المقام الأول تمركز البنوك.

وفي سنة ١٩٠٧-١٩٠٨ كانت الودائع في جميع البنوك الألمانية المساهمة التي يزيد رأسمال كل منها من ١ مليون مارك تبلغ ٧ مليارات مارك؛ وفي سنة ١٩١٢-١٩١٣ بلغت الودائع ٩٫٨ مليار مارك. لقد بلغت الزيادة خلال خمس سنوات ٢٫٨ مليار، أي ٤٠٪؛ منها ٢٫٧٥ مليار مودعة في ٥٧ بنكا رأسمال كل منها ١٠ ملايين مارك. وكان توزيع الودائع بين البنوك الكبيرة والصغيرة على الصورة الآتية(١):

الودائع بالنسبة المئوية
  في البنوك البرلينية التسعة الكبرى في البنوك الـ ٤٨ الأخرى التي يزيد رأسمال كل منها على ١٠ ملايين مارك في ١١٥ بنكا يبلغ رأسمال كل منها من ١ مليون و١٠ ملايين مارك في البنوك الصغيرة (رأسمال كل منها أقل من ١ مليون مارك)
سنة ١٩٠٧-١٩٠٨ ٤٧ ٣٢٫٥ ١٦٫٥ ٤
سنة ١٩١٢-١٩١٣ ٣٩ ٣٦ ١٢ ٣

البنوك الصغيرة أزيحت من قبل البنوك الكبرى التي تركز تسعة منها فقط نحو نصف مجموع الودائع. ولكن أشياء كثيرة لم تؤخذ هنا بعين الاعتبار، منها مثلا تحول حملة من البنوك الصغيرة في الواقع إلى فروع للبنوك الكبرى وغير ذلك، الأمر الذي سنتحدث عنه فيما يأتي:

في أواخر سنة ١٩١٣ قدر شولتزه-غيفيرنيتز الودائع في البنوك البرلينية التسعة الكبرى بـ ٥٫١ مليار مارك من مجموع مبلغ من ١٠ مليارات. وقد كتب المؤلف نفسه آخذا بعين الاعتبار مجموع الرأسمال البنكي، لا الودائع وحدها: «في أواخر سنة ١٩٠٩، كانت البنوك البرلينية التسعة الكبرى، مع البنوك المرتبطة بها، تدير ١١٫٣ مليار مارك، أي نحو ٨٣٪ من مجموع ملاغ الرأسمال البنكي في ألمانيا. «فالبنك الألماني» («Deutche Bank») الذي يدير مع البنوك المرتبطة به مبلغا يقرب من ٣ مليارات مارك هو، إلى جانب الإدارة البروسية لسكك حديد الدولة، عبارة عن التراكم الأكبر والأقل مركزية للرأسمال في العالم القديم(٢).

لقد أشرنا إلى كلمة البنوك «المرتبطة»، لان ذلك يتعلق بخاصة من أهم الخواص المميزة للتمركز الرأسمالي الحديث. فالمشاريع الكبرى، ولاسيما البنوك، لا تبتلع الصغيرة بصورة مباشرة وحسب، بل «تربط»ـها بنفسها وتخضعها وتضمها إلى «مجموعتـ»ـها، إلى «كونسرنـ»ـها حسب التعبير الفني، وذلك عن طريق «الاشتراك» في رأسمالها، عن طريق شراء أو تبادل الأسهم، عن طريق نظام القروض وهلم جرا وغير ذلك. لقد كرس البروفيسور ليفمن «مؤلفا» ضخما بلغ خمسمائة صفحة لوصف «شركات الاشتراك والتمويل» الحديثة(٣)، ولكنه، للأسف، يضيف محاججات «نظرية» هزيلة إلى مواد لم يحسن تدبيرها في الأغلب. ومؤلف «البنكير» ريسر عن البنوك الألمانية الكبرى يبين أحسن من أي مؤلف آخر النتيجة التي تسفر عنها طريقة «الإشتراك» هذه من وجهة نظر التمركز. ولكن قبل أن ننتقل لبحث معطياته نذكر مثلا عمليا عن طريقة «الاشتراك».

«مجموعة» « البنك الألماني» هي من أكبر مجموعات البنوك الكبرى إن لم تكن أكبرها. ولكيما نتبين الخيوط الرئيسية التي تربط جميع بنوك هذه المجموعة ينبغي أن نميز «اشتراك» الدرجات الأولى والثانية والثالثة أو، وهو الأمر نفسه، التبعية (البنوك الأصغر «للبنك الألماني») من الدرجات الأولى والثانية والثالثة. ونحصل على الصورة التالية(٤):

  تبعية الدرجة الأولى تبعية الدرجة الثانية تبعية الدرجة الثالثة
«البنك الألماني» يشترك بصورة دائمة في ١٧ بنكا منها ٩ تشترك في ٣٤ بنكا آخر منها ٤ تشترك في ٨ بنوك أخرى
بصورة مؤقتة في ٥ بنوك - -
من وقت لآخر في ٨ بنوك منها ٥ تشترك في ١٤ بنكا آخر منها ٢ تشترك في ٢ بنكا آخر
المجموع في ٣٠ بنكا منها ١٤ تشترك في ٤٨ بنكا آخر منها ٦ تشترك في ٩ بنكا آخر

في العدد الـ٨ بنوك «من تبعية الدرجة الأولى» التي تخضع «للبنك الألماني» «من وقت لآخر» ثلاثة بنوك أجنبية: إحدها نمساوي («الاتحاد البنكي» في فيينا «Bankverein») وإثنان روسيان (البنك التجاري السيبيري والبنك الروسي للتجارة الخارجية). ومجموعة «البنك الألماني» تضم مباشرة وغير مباشرة، كليا وجزئيا ١٧ بنكا؛ ومجمل الرأسمال الذي تتصرف به مجموعة «البنك الألماني» – رأسمالها الخاص والودائع – يقدر بـ ٢-٣ مليارات مارك.

ومن الواضح أن بنكا يرأس مجموعة كهذه ويعقد اتفاقات مع نصف دزينة من البنوك الأخرى، لا تقل عنه في قوتها إلاّ قليلا، من أجل العمليات المالية الكبيرة جدا والمفيدة للغاية كمنح القروض للدولة، قد شب عن دور «الوسيط» وغدا اتحادا لحفنة من الاحتكاريين.

إن الأرقام التالية التي ننقلها باختصار عن ريسر تظهر بأية سرعة جرى تمركز البنوك في ألمانيا بالضبط في أواخر القرن ١٩ وبداية القرن ٢٠:

لدى ستة من البنوك البرلينية الكبرى
سنوات فروع في ألمانيا صناديق ودائع ومكاتب صرفية اشتراك دائم في البنوك المساهمة الألمانية مجموع المستندات
١٨٩٥١٦١٤١٤٢
١٩٠٠٢١٤٠٨٨٠
١٩١١١٠٤٢٧٦٦٣٤٥٠

وهكذا نرى كيف تتسع بسرعة شبكة القنوات الكثيفة شاملة البلاد من أقصاها إلى أقصاها ومركزة جميع الرساميل والمداخيل النقدية وجاعلة من الألوف المؤلفة من المشاريع المبعثرة اقتصادا رأسماليا وطنيا موحدا ثم اقتصادا رأسماليا عالميا. أمّا «عدم التمركز» الذي تحدث عنه باسم الاقتصاد السياسي البرجوازي في أيامنا شولتزه-غيفيرنيتز في الفقرة المثبتة أعلاه فهو يتلخص في الواقع بأنه يخضع لمركز واحد عدد متزايد من الوحدات الاقتصادية التي كانت فيما مضى «مستقلة» نسبيا أو، بالأصح، ذات طابع محلي بحت. ومعنى ذلك في الواقع أن هنالك تمركزا وارتفاعا لشأن الاحتكارات العملاقة ولأهميتها وبأسها.

و«شبكة البنوك» هذه هي أكثر كثافة أيضا في البلدان الرأسمالية الأقدم. ففي إنجلترا مع ارلنده بلغت فروع جميع البنوك في سنة ١٩١٠- ٧١٥١. وكان لدى كل بنك من البنوك الأربعة الكبرى أكثر من ٤٠٠ فرع (من ٤٤٧ إلى ٦٨٩)، وكانت هناك ٤ بنوك أخرى لدى كل منها أكثر من ٣٠٠، و ١١ بنكا لدى كل منها أكثر من ١٠٠ فرع.

وفي فرنسا طورت البنوك الكبرى الثلاثة، «Crédit Lyonnais» («كريدي ليونيه»)، «Comptoir National» («كونتوار ناسيونال») و«Société Générale» («سوسييتي جينرال»)(٥) عملياتها وشبكة فروعها على الشكل التالي(٦):

أعوامعدد الفروع والصناديقالرأسمال
في المقاطعاتفي باريسالمجموعالخاصالودائع
(بملايين الفرنكات)
١٨٧٠٤٨١٧٦٤٢٠٠٤٢٧
١٨٩٠١٩٢٦٦٢٥٨٢٠٠٤٢٧
١٩٠٩١٠٣٣١٩٦١٢٢٩٢٦٠١٢٤٥

ولوصف «روابط» البنك الكبير الحديث يذكر ريسر أرقاما عن عدد الرسائل التي وجهتها وتلقتها «شركة الخصم» («Disconto-gesellschaft») وهي بنك من أكبر البنوك في ألمانيا وفي العالم كله (لقد بلغ رأسمالها في سنة ١٩١٤- ٣٠٠ مليون مارك):

عدد الرسائل
أعوام الواردة الصادرة
١٨٥٢ ٦١٣٠ ٦٢٩٢
١٨٧٠ ٨٥٨٠٠ ٨٧٥١٣
١٩٠٠ ٥٣٣١٠٢ ٦٢٦٠٤٣

وفي البنك الباريسي الكبير «كريدي ليونيه» ارتفع عدد الحسابات الجارية من ٢٨٥٣٥ في سنة ١٨٧٥ إلى ٦٣٣٥٣٩ في سنة ١٩١٢ (٧).

نحسب أن هذه الأرقام البسيطة تظهر بصورة أوضح من الشروح المسهبة كيف تتبدل أهمية البنوك بشكل جذري مع تمركز الرأسمال وتزايد عملياتها. فمن الرأسماليين المبعثرين يتكون رأسمالي واحد مشترك. وإذ يقوم البنك بالحسابات الجارية لعدد من الرأسماليين يبدو وكأنه يقوم بعملية تكنيكية بحتة، بعملية مساعدة لا غير. ولكن عندما تبلغ هذه العملية مقاييس هائلة تكون النتيجة أن حفنة من الاحتكاريين تخضع لنفسها العمليات التجارية والصناعية في المجتمع الرأسمالي كله، إذ تتوفر لها – بفضل الصلات بين البنوك وعن طريق الحسابات الجارية والعمليات المالية الأخرى – الإمكانية لتعرف في أي بادئ الأمر على وجه الدقة حالة الأعمال لدى كل رأسمالي على حدة ثم للإشراف عليهم والتأثير عليهم عن طريق توسيع أو تضييق، تسهيل أو تصعيب التسليف، وأخيرا لتقرر بصورة تامة مصائرهم، لتحدد مداخليهم، لتحرمهم من الرأسمال أو لتمكنهم من تضخيم رساميلهم بسرعة وبمقادير هائلة، الخ.

ذكرنا الآن أن رأسمال «شركة الخصم» في برلين يبلغ ٣٠٠ مليون مارك. وهذا الإزدياد لرأسمال «شركة الخصم» كان حادثا من حوادث الصراع من أجل السيطرة بين بنكين من أكبر البنوك البرلينية هما «البنك الألماني» و«شركة الخصم». ففي سنة ١٨٧٠ كان الأول مبتدئا لم يزد رأسماله عن ١٥ مليونا وبلغ رأسمال الثاني ٣٠ مليونا. وفي سنة ١٩٠٨ بلغ رأسمال الأول ٢٠٠ مليون ورأسمال الثاني ١٧٠ مليونا. وفي سنة ١٩١٤ رفع الأول رأسماله إلى ٢٥٠ مليونا ورفع الثاني رأسماله عن طريق الإندماج ببنك كبير آخر من الدرجة الأولى «بنك شافهاوزن الاتحادي» إلى ٣٠٠ مليون. وغني عن البيان أن هذا الصراع من أجل السيطرة يجري بمحاداة «الاتفاقات» المتوافرة المتوطدة بين البنكين. وهاكم الاستنتاجات التي يوحيها مجرى هذا التطور للاختصاصيين في الشؤون البنكية الذين يعالجون الأمور الاقتصادية من وجهة نظر لا تتعدى بحال حدود الإصلاحية البرجوازية الأكثر اعتدالا والأكثر كياسة:

كتبت المجلة الألمانية «البنك» بشأن ازدياد رأسمال «شركة الخصم» إلى ٣٠٠ مليون قائلة: «ستنخرط البنوك الأخرى في الطريق نفسه، ومن الـ٣٠٠ شخص الذين يديرون ألمانيا اقتصاديا في الوقت الحاضر لن يبقى مع مر الزمن إلاّ ٥٠ أو ٢٥ أو أقل من ذلك. ولا يصح أن ننتظر أن تقتصر حركة التمركز الجديدة على ميدان البنوك وحده. فالروابط الوثيقة القائمة بين بعض البنوك تؤدي بطبيعة الحال إلى التقارب بين سينديكات الصناعيين التي تتمتع بحماية هذه البنوك… سنستيقظ في صباح ما فيدهشنا أن لا نرى أمام عيوننا إلاّ التروستات وحدها؛ وسنرى أنفسنا أمام ضرورة الاستعاضة عن الاحتكارات الخاصة باحتكار حكومة. ومع ذلك فليس هنالك في الجوهر ما نلون أنفسنا عليه، اللهم إلاّ تركنا الحبل على الغارب أمام مجريات الأمور، التي زادت الأسهم قليلا من سرعتها»(٨).

إنه مثل على عجز الصحافة البرجوازية التي لا يمتاز عنها العلم البرجوازي إلاّ بكونه أقل إخلاصا وبنوعيه إلى طمس جوهر الأمر وإلى تغطية الغابة ببعض شجرات. «استغراب» نتائج التمركز؛ «لوم» حكومة ألمانيا الرأسمالية أو «المجتمع» الرأسمالي («نحن»)؛ الخوف من أن «يعجل» إدخال الأسهم التمركز، كما يخاف أحد الألمان الاختصاصيين بـ«الكارتيلات»، تشيرشكي، من التروستات الأمريكية و«يفضل» الكارتيلات الألمانية لأنها لا تستطيع على ما يزعم، «أن تعجل لهذا الحد الخارق، كالتروستات، سير التقدم التكنيكي والاقتصادي»(٩)، – أفليس هذا هو العجز؟

بيد أن الأمر الواقع هو الأمر الواقع. ليس في ألمانيا تروستات، ففيها الكارتيلات «فقط»؛ ولكن ألمانيا يديرها ما لا يزيد عن ٣٠٠ من طواغيت الرأسمال. ويتضاءل عدد هؤلاء باستمرار. أمّا البنوك فهي، في جميع الحالات وفي جميع البلدان الرأسمالية ومهما تنوع التشريع البنكي الذي تخضع له، تقوي وتعجل لحد كبير سير تمركز الرأسمال وتشكل الاحتكارات.

لقد كتب ماركس منذ نصف قرن في مؤلفه «رأس المال» أن «البنوك تنشئ على النطاق الاجتماعي شكلا، وشكلا فقط، لا غير، للمحاسبة العامة والتوزيع العام لوسائل الإنتاج» (الترجمة الروسية، المجلد ٣، الجزء٢، ص ١٤٤). إن ما ذكرناه من معطيات عن تزايد الرأسمال البنكي وعن تزايد عدد مكاتب وفروع البنوك الكبرى وعدد حساباتها الجارية وغير ذلك يبين لنا بصورة جلية هذه «المحاسبة العامة» لطبقة الرأسماليين جميعها، وحتى غير الرأسماليين لأن البنوك تجمع، ولو لوقت ما، مختلف أنواع المداخيل النقدية العائدة لصغار أصحاب الأعمال والموظفين والمرتبة العليا الضئيلة من العمال. «التوزيع العام لوسائل الإنتاج» هو ما ينجم، من ناحية الأمر الشكلية، عن البنوك الحديثة التي تتصرف، في شخص ثلاثة أو ستة بنوك ضخمة في فرنسا وستة أو ثمانية في ألمانيا، بالمليارات العديدة. ولكن هذا التوزيع لوسائل الانتاج ليس/ من حيث مضمونه، «بعام» فقط، بل هو خاص، أي أنه يتم وفق مصالح الرأسمال الضخم، وفي الدرجة الأولى الرأسمال الأضخم، الإحتكاري، الذي يعمل في ظروف يقاسي فيها جمهور السكان شظف العيش ويتأخر فيها تطور الزراعة برمته تأخرا يدعو للقنوط عن تطور الصناعة، بينما يتقاضى فرع واحد منها، «الصناعة الثقيلة»، الجزية من سائر فروعها الأخرى.

وفي أمر صبغ الاقتصاد الرأسمالي بالصبغة الاجتماعية بدات تنافس البنوك صناديق التوفير ودوائر البريد، وهو «أبعد عن المركزية»، أي أنها تشمل في دائرة نفوذها عددا أكبر من المناطق، عددا أكبر من الزوايا النائية، وفئات أوسع من السكان. إن لجنة أمريكية قد جمعت الأرقام التالية التي تظهر بالمقارنة مجرى تزايد الودائع في البنوك وفي صناديق التوفير(١٠):

الودائع (بمليارات الماركات)
 إنجلترافرنساألمانيا
في البنوكفي صناديق التوفيرفي البنوكفي صناديق التوفيرفي البنوكفي شركات التسليففي صناديق التوفير
١٨٨٠٨٫٤١٫٦؟٠٫٩٠٫٥٠٫٤٢٫٦
١٨٨٨١٢٫٤٢٫٠١٫٥٢٫١١٫١٠٫٤٤٫٥
١٩٠٨٢٣٫٢٤٫٢٣٫٧٤٫٢٨٫١٢٫٢١٣٫٩

إن صناديق التوفير التي تدفع للودائع ٤٪ أو ٤٫٢٥٪ مضطرة للبحث عن فرص لتوظيف رأسمالها بصورة «رابحة» وللاندفاع إلى عمليات شراء وبيع الكمبيلات والرهون وغير ذلك. «تمحى شيئا فشيئا» الحدود بين البنوك وصناديق التوفير. وتطلب الغرف التجارية في بوخوم وارفورت مثلا «منع» صناديق التوفير من مزاولة العمليات البنكية «الصرف» كخصم الكمبيلات، وتطلب تقييد النشاط «البنكي» لدوائر البريد(١١). ويبدو أن ملوك البنوك يخشون من أن يترصد لهم احتكار الدولة حيث لا ينظرونه. ولكن من البديهي أن هذا الخوف لا يتعدى، إن أمكن القول، حدود المنافسة بين مديري قسمين من أقسام مؤسسة بعينها. ذلك لأن طواغيت الرأسمال البنكي هم في الواقع الذين يتصرفون في نهاية الأمر بالمليارات من الرساميل المودعة في صناديق التوفير، هذا من جهة؛ ولأن احتكار الدولة في المجتمع الرأسمالي ليس، من الجهة الأخرى، إلاّ وسيلة لزيادة وتوطيد مداخيل أصحاب الملايين الموشكين على الإفلاس في هذا أو ذاك من الفروع الصناعية.

إن حلول الرأسمالية الجديدة التي يسيطر فيها الاحتكار محل القديمة التي تسيطر فيها المزاحمة الحرة يتجلى فيما يتجلى في انحطاط أهمية البورصة. فقد كتبت مجلة «البنك»: «إن البورصة قد كفت من أمد بعيد عن أن تكون الوسيط الذي لا يستغني عنه في التداول كما كانت فيما مضى، قبل أن يصبح بإمكان البنوك أن توزع بين زبائنها القسم الأكبر من الأوراق المالية الصادرة»(١٢).

««كل بنك - بورصة». إن هذه العبارة التي جرت مجرى الأمثال في الزمن الحديث تتضمن من الحقيقة قدرا يغدو أكبر بمقدار تضخم البنك وبمقدار ما يحوز التمركز نجاحات أكبر في ميدان النشاط البنكي»(١٣). «وإذا كانت البورصة فيما مضى، في السبعينات، مع ما كانت تتصف به من نزق الشباب» (تلميح «ناعم» إلى إفلاس البورصة في سنة ١٨٧٣ وإلى فضائح غروندير وغير ذلك) «قد فتحت عهد تصنيع ألمانيا، فقد إذا بإمكان البنوك والصناعة في الوقت الحاضر أن «تنهض بالأمر وحدها». فسيطرة بنوكنا الكبرى على البورصة… ليس إلاّ تعبيرا عن الدولة الصناعية الألمانية المنظمة أكمل تنظيم. وإذا كان نطاق تأثير القوانين الاقتصادية النافذة أوتوماتيكيا يتقلص بهذا الشكل ويتسع، لحد خارق، نطاق الضبط الواعي من خلال البنوك، فبنتيجة ذلك تزداد لدرجة كبرى مسؤولية العدد القليل من القواد على الإقتصاد الوطني» – هذا ما كتبه البروفيسور الألماني شولتزه –غيفيرنيتز(١٤) المدافع عن الإمبريالية الألمانية والذي يعتبر شخصا نافذ الكلمة عند الامبرياليين في جميع البلدان ويسعى إلى طمس «أمر تافه» هو أن هذا «الضبط الواعي» من خلال البنوك يتلخص في نهب الجمهور من قبل حفنة من الاحتكاريين «المنظمين أكمل تنظيم». فإن مهمة البروفيسور البرجوازي ليست في كشف أحابيل الاحتكاريين أصحاب البنوك ولا فضح احتيالاتهم، بل في تجميلها.

وكذلك ريسر، الاقتصادي و«البنكير» الأبعد صيتا، يكتفي بعبارات فارغة بصدد وقائع يستحيل انكارها: «تفقد البورصة أكثر فأكثر خاصيتها التي لا غنى عنها مطلقا للاقتصاد كله ولتداول الأوراق المالية، وهي كونها المقياس الأكثر دقة، وكذلك ضابطا للحركات الاقتصادية المتجهة نحوها، يعمل بصورة أوتوماتيكية تقريبا»(١٥).

وبعبارة أخرى: إن الرأسمالية القديمة، رأسمالية المزاحمة الحرة مع ضابطها الذي لا يمكنها الاستغناء عنه، البورصة، تغيب في طيات الماضي. تحل محلها رأسمالية جديدة تتسم بسمات انتقالية بينة، بسمات مزيج من المزاحمة الحرة والاحتكار. وهنا يخطر عفوا على البال السؤال التالي: ألامَ «تنتقل» هذه الرأسمالية الحديثة؟ ولكن العلماء البرجوازيين يخافون من طرح هذا السؤال.

«منذ ثلاثين سنة كان أصحاب الأعمال المتزاحمون بحرية يقومون بتسعة أعشار الجهد الاقتصادي الخارج عن نطاق عمل «العمال» الجسدي. وفي الوقت الحاضر يقوم الموظفون بتسعة أعشار هذا الجهد الفكري في الاقتصاد. والنشاط البنكي يتقدم هذا التطور»(١٦) إن هذا الإعتراف من شولتزه-غيفيرنيتز يسوقنا مرة أخرى إلى السؤال عمَّا تنتقل إليه الرأسمالية الحديثة، الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية.

بين العدد الضئيل من البنوك التي تبقى في رأس الاقتصاد الرأسمالي بأكمله بحكم سير التمركز يظهر بصورة طبيعية ويشتد أكثر فأكثر الميل إلى الاتفاق الاحتكاري، إلى تروست بين البنوك. ليس في أمريكا تسعة بنوك، بل بنكان من أكبر البنوك عائدان لصاحبي المليارات روكفلر ومورغان، يسيطرون على رأسمال مقداره ١١ مليار مارك(١٧). لقد أشرنا فيما تقدم إلى ابتلاع «شركة الخصم» «لبنك شافهاوزن الإتحادي» في ألمانيا. وقد أعطت جريدة «فرانكفورت زايتونغ» المعبرة عن مصالح البورصة لهذا الأمر التقدير التالي:

«مع اشتداد تمركز البنوك تتقلص دائرة المؤسسات التي يمكن بوجه عام أن تطلب منها القروض، وبحكم ذلك تشتد تبعية الصناعة الكبيرة لعدد ضئيل من المجموعات البنوك. وفي ظل الصلة الوثقى القائمة بين الصناعة وعالم رجال المال تقيد حرية حركة الشركات الصناعية المحتاجة لرأسمال البنوك. ولهذا تنظر الصناعة الكبيرة إلى اشتداد تكتل البنوك في التروستات (انضمام أو تحول إلى تروستات) بمشاعر مختلطة؛ الواقع أنه قد لوحظت مرارا بوادر إتفاقات معينة بين هذه أو تلك من اتحادات البنوك الكبرى، اتفاقات هدفها تقييد المزاحمة»(١٨).

وها نحن نرى مرة أخرى أن الكلمة الأخيرة في تطور النشاط البنكي هي الاحتكار.

أمّا بخصوص الصلة الوثقى القائمة بين البنوك والصناعة، ففي هذا الميدان بالضبط يبدو دور البنوك الجديدة ربما بأجلى شكل. فإذا كان البنك يقوم بخصم كمبيلات هذا الصناعي أو ذاك ويفتح له حسابا جاريا الخ.، فإن هذه العمليات مأخوذة على حدة لا تحد من استقلال هذا الصناعي قيد أنملة ولا يتعدى البنك دوره كوسيط متواضع. ولكن عندما تكثر هذه العمليات وتتوطد، وعندما «يجمع» البنك بين يديه مقادير هائلة من الرساميل وعندما يكون القيام بعمليات الحساب الجاري لهذا المشروع يمكن البنك من أن يعرف – وهذا ما يحدث في المعتاد – بصورة أدق وأكمل حالة الزبون الاقتصادية، تكون النتيجة خضوع الرأسمالي الصناعي للبنك خضوعا أكثر فأكثر.

وإلى جانب ذلك يتطور، إن أمكن القول، الاتحاد الشخصي بين البنوك والمشاريع الصناعية والتجارية الكبرى واندماج هذه وتلك عن طريق تملك الأسهم، عن طريق دخول مدراء البنوك في عضوية مجالس مراقبة (أو مجالس إدارة) المشاريع الصناعية والتجارية، وبالعكس. لقد جمع الاقتصادي الألماني ييدلس معلومات مفصلة عن هذا الشكل من تمركز المشاريع. فثمة ستة بنوك برلينين كبرى كانت ممثلة بواسطة مدرائها في ٣٤٤ شركة صناعية وبواسطة أعضاء مجالس إدارتها في ٤٠٧ شركات أخرى، أي في ٧٥١ شركة بالمجموع. وكان لها في ٢٨٩ من هذه الشركات إمّا عضوان في مجالس المراقبة أو منصب الرئاسة في هذه المجالس. وبين هذه الشركات الصناعية التجارية نصادف مختلف فروع الصناعة والتأمين وطرق المواصلات والمطاعم والمسارح وصناعة المنتوجات الفنية وغير ذلك. ومن الجهة الأخرى وجد (في سنة ١٩١٠) في مجلس مراقبة هذه البنوك الستة نفسها ٥١ من كبار الصناعيين منهم مدير شركة كروب، ومدير شركة البواخر الهائلة «Hapag» (Hamburg-Amerika)(١٩) وهلم جرا والخ.. ومن سنة ١٨٩٥ إلى سنة ١٩١٠ اشترك كل من هذه البنوك الستة في اصدار الأسهم والسندات لمئات عديدة من الشركات الصناعية، أي من ٢٨١ إلى ٤١٩ شركة(٢٠).

«الإتحاد الشخصي» بين البنوك والصناعة يكتمل بـ«الاتحاد الشخصي» بين هذه وتلك والحكومة. فقد كتب ييدلس: «يقدمون المقاعد في مجالس المراقبة عن طيبة خاطر للشخصيات ذات الأسماء الطنانة وكذلك للموظفين سابقا في جهاز الدولة الذين يمكنهم أن يسهلوا (!!) لدرجة كبيرة العلاقات مع السلطات»… «ففي مجلس مراقبة بنك كبير نجد في المعتاد أحد النواب أو أحد أعضاء مجلس بلدية برلين».

إن رسم وتكوين الاحتكارات الكبيرة الرساميل، إذا أمكن القول، يجريان اذن على قدم وساق وبكل الطرق «الطبيعية» و«الخارقة». ويتم بصروة منتظمة نوع من تقسيم للعمل بين عدة مئات من ملوك المال في المجتمع الرأسمالي الحديث:

«إلى جانب هذا الاتساع لميدان نشاط البعض من كبار الصناعيين» (الذين يدخلون في مجالس إدارة البنوك وغير ذلك) «ووضع منطقة صناعية معينة واحدة فقط تحت إشراف مدراء فروع البنوك في المناطق يحدث شيئا فشيئا التخصص بين مدراء البنوك الكبرى. وهذا التخصص أمر غير ممكن إلاّ في حالة ضخامة المؤسسة البنكية على العموم وسعة نطاق علاقاتها بالصناعة على الخصوص. ويجري تقسيم العمل هذا في اتجاهين: من جهة تعهد جميع العلاقات بالصناعة لأحد المدراء لتكون ميدانه الخاص، ومن الجهة الأخرى يأخذ كل مدير على نفسه مراقبة هذا المشروع أو ذاك أم مجموعة من المشاريع المتشابهة من حيث المهنة أو المصلحة»… (لقد بلغت الرأسمالية درجة المراقبة المنظمة على مختلف المشاريع)… «اختصاص هذا المدير هو الصناعة الألمانية وأحيانا صناعة ألمانيا الغربية وحدها» (ألمانيا الغربية هي من وجهة نظر الصناعة القسم الأكثر تطورا في ألمانيا)، «ويتخصص الآخرون بالعلاقات مع الدول الصناعية الأجنبية وبجمع المعلومات عن شخصيات الصناعيين والخ.، وبقضايا البورصة وهلم جرا. وفضلا عن ذلك غالبا ما يكلف كل مدير من مدراء البنك بشؤون منطقة معينة أو فرع صناعي معين؛ فيعمل أحدهم بصورة رئيسية في مجالس مراقبة شركات الكهرباء وآخر في المعامل الكيميائية، أو في معامل الجعة أو معامل السكر، ويعمل ثالث في المشاريع القليلة المنعزلة وإلى جانب ذلك في مجالس مراقبة شركات التأمين… وباختصار، لا ريب في أنه بمقدار اتساع العمليات وتنوعها يتسع في البنوك الكبرى تقسيم العمل بين المدراء بقصد (وعلى أن تكون النتيجة) رفعهم قليلا ما، إن أمكن القول، إلى ما فوق مستوى الشؤون البنكية الصرف، بقصد جعلهم أهلا لتفهم مجريات الأمور وأكثر تضلعا في المسائل الصناعية العامة وفي المسائل الخاصة بكل فرع من فروع الصناعة ولأعدادهم للعمل في منطقة نفوذ البنك الصناعية. نظام البنوك هذا يكتمل بميلها إلى أن ينتخب لمجلس مراقبتها أناس ذوو خبرة واسعة في الشؤون الصناعية وصناعيون وموظفون سابقون ولاسيما أولئك الذين خدموا في إدارات السكك الحديدية والمناجم» وهلم جرا(٢١).

ونجد في الميدان البنكي في فرنسا مؤسسات من ذات النوع مع اختلاف جد يسير. «فالكريدي ليونيه»، مثلا، أحد البنوك الفرنسية الثلاثة الكبرى، قد نظم لديه «إدارة خاصة لجمع المعلومات المالية» (service des études financières) ويعمل في هذه الإدارة بصورة دائمة أكثر من خمسين شخصا من المهندسين والخبراء في الاحصاء والاقتصاديين والحقوقيين الخ.. وتكلف هذه الإدارة من ٦٠٠ إلى ٧٠٠ ألف فرنك في السنة. وتنقسم هذه الإدارة بدورها إلى ثمانية أقسام: قسم مختص بجمع المعلومات عن المشاريع الصناعية ويدرس القسم الآخر الاحصاءات العامة ويدرس القسم الثالث شركات السكك الحديدية والبواخر والرابع الأرصدة والخامس التقارير المالية والخ(٢٢).

وتكون النتيجة، من جهة، اندماج متزايد، أو كما أحسن التعبير بوخارين، اقتران الرأسمال البنكي والصناعي؛ ومن الجهة الأخرى، صيرورة البنوك إلى مؤسسات ذات «طابع شامل» حقا. ونرى من الضروري أن نورد بالنص عبارات ييدلس حول هذه المسألة، وهو الكاتب الذي درس المسألة أحسن من الآخرين:

«بنتيجة دراسة العلاقات الصناعية بمجموعها نقرر أن المؤسسات المالية التي تعمل للصناعة هي ذات طابع شامل. فعلى نقيض الأشكال الأخرى للبنوك، على نقيض المطالب التي تصاغ أحيانا في المطبوعات والقائلة بأنه ينبغي على البنوك أن تتخصص في ميدان معين أو فرع صناعي معين لكيلا تفقد الأرض تحت قدميها، – تسعى البنوك الكبرى وراء جعل علاقاتها مع المشاريع الصناعية متنوعة إلى أقصى حد ممكن من حيث الأماكن والإنتاج، تسعى وراء إزالة عدم التناسب في توزيع الرساميل بين مختلف المناطق أو الفروع الصناعية، عدم التناسب الذي يجد تفسيره في تاريخ مختلف المشاريع». «هناك اتجاه يتلخص في جعل هذه العلاقات بالصناعة ظاهرة عامة؛ واتجاه آخر يتلخص في جعل هذه العلاقات وطيدة وفعالة؛ وقد طبق الاتجاهان في البنوك الستة الكبرى، إن لم يكن بصورة كاملة، ففي نطاق واسع وبدرجة واحدة».

غالبا ما تشكو الأوساط الصناعية والتجارية من «إرهاب» البنوك. وهل من مجال لاستغراب هذه الشكاوى إذا كانت البنوك الكبرى «تتحكم» كما يظهر المثال التالي: في ١٩ نوفمبر سنة ١٩٠١ وجه أحد البنوك البرلينية المسمات «د» (أسماء البنوك الأربعة الكبرى تبدأ بحرف د) إلى مجلس إدارة سينديكا الأسمنت في وسط وشمال غرب ألمانيا الرسالة التالية: «يتضح من النبأ الذي نشر تموه في الثامن عشر من الشهر الجاري في الجريدة الفلانية أن علينا أن نأخذ بالحسبان أنه يحتمل أنكم ستتخذون في الجمعية العمومية التي ستعقدها سينديكاتكم في الثلاثين من الشهر الجاري قرارات يمكنها أن تحدث في مشروعكم تغييرات لا يسعنا قبولها. ولذلك فنحن، مع مزيد أسفنا، مضطرون إلى قطع الاعتماد الذي فتحناه لكم… ولكن إذا لم تتخذ في هذه الجمعية العمومية قرارات لا يسعنا قبولهل وإذا قدمت لنا الضمانات المناسبة حول هذا الشأن فيما يخص المستقبل فنحن نعرب عن استعدادنا للشروع في مداولات بقصد فتح اعتماد جديد لكم»(٢٣).

إنها في جوهر الأمر عين شكاوى الرأسمال الصغير من ظلم الرأسمال الكبير، ولكن في هذه الحالة وقع في فئة «الصغار» سينديكا برمته! إن الصراع القديم بين الرأسمال الصغير والرأسمال الكبير يستأنف في درجة من التطور جديدة، أعلى جدا. ومن المفهوم أن مؤسسات البنوك الكبرى التي تتصرف بالمليارات يمكنها كذلك أن تدفع إلى الأمام تقدم التكنيك بوسائل لا يمكن أن تقارن بوجه مع الوسائل السابقة. فالبنوك تؤسس، مثلا، جمعيات خاصة للأبحاث التكنيكية لا تنتفع بنتائج دراساتها إلاّ المشاريع الصناعية «الصديقة» طبعا. ومن هذه الجمعيات «جمعية دراسة مسألة السكك الحديدية الكهربائية» و«المكتب المركزي للأبحاث العلمية والتكنيكية» وهلم جرا.

ولا ريب في أن المشرفين على البنوك الكبرى أنفسهم يرون أن ظروفا جديدة للاقتصاد الوطني آخذة في التكوين؛ ولكنهم عاجزون إزاءها.

يقول ييدلس: «إن من تتبع أثناء السنوات الأخيرة تبدل الأشخاص في مناصب المدراء وأعضاء مجالس المراقبة في البنوك الكبرى لا يمكنه ألاّ يرى انتقال السلطة بالتدريج إلى أيدي أشخاص يعتبرون التدخل النشيط في التطور الصناعي العام مهمة الزامية من مهام البنوك الكبرى تغدو ملحة أكثر فأكثر، علما بأن ذلك هو مبعث التباعد بين هؤلاء الأشخاص ومدراء البنوك القدماء على الصعيد العملي وغالبا على الصعيد الشخصي أيضا. والقضية هي، في الجوهر، قضية ما إذا كانت البنوك، بوصفها مؤسسات تسليف، لا تتضرر من تدخل البنوك هذا في مجرى الإنتاج الصناعي، وما إذا كانت لا تضحي بالمبادئ الوطيدةوالأرباح الأكيدة من أجل نشاط لا يجمعه جامع بدورها كوسيط في التسليف ويدفع البنوك إلى صعيد تكون فيه أكثر من السابق خاضعة لتقلبات الأحوال الصناعية العمياء. هذا ما يقوله الكثيرون من مدراء البنوك القدماء؛ أمّا أكثر المدراء الشباب فيعتبرون التدخل النشيط في المسائل الصناعية لا يختلف عن الضرورة التي نشأت عنها البنوك الكبرى والمشاريع الصناعية البنكية الحديثة في وقت واحد مع الصناعة الضخمة الحديثة. ويتحقق الجانبان حول نقطة واحدة هي عدم وجود أية مبادئ وطيدة أو هدف معين لنشاط البنوك الكبرى الجديد»(٢٤).

انقضى عهد الرأسمالية القديمة. والجديدة هي انتقال إلى جديد ما. أمّا البحث عن «مبادئ وطيدة وهدف معين» «للتوفيق» بين الاحتكارات والمزاحمة الحرة فهو باطل طبعا. فاعترافات أصحاب الخبرة لا تشبه بوجه المديح الذي يكيله لفضائل الرأسمالية «المنظمة» المدافعون الرسميون عنها من أمثال شولتزه-غيفيرنيتز وليفمن ومن لف لفهم من «النظريين».

في أي زمن بالضبط توطد بصورة نهائية «النشاط الجديد» للبنوك الكبرى؟ نجد لدى ييدلس الجواب الدقيق لحد ما على هذا السؤال الهام:

«العلاقات بين المشاريع الصناعية بمضمونها الجديد وأشكالها الجديدة وهيئاتها الجديدة أي البنوك الكبرى المنظمة في وقت معاً على الطريقة المركزية واللامركزية، لم تتكون قطعا كظاهرة مميزة للاقتصاد الوطني قبل سنوات العقد العاشر من القرن الماضي، وبالإمكان بمعنى معين تأخير نقطة البدء هذه إلى سنة ١٨٩٧ لما حدث فيها من «اندماجات» كبرى بين المشاريع ادخلت لأول مرة الشكل الجديد للتنظيم اللامركزي لأسباب تتعلق بالسياسة الصناعية التي تمارسها البنوك. ولعل الانضباط أن ندفع نقطة البدء هذه إلى تاريخ أقرب، لأن أزمة سنة ١٩٠٠ قد زادت بصورة هائلة من سير التمركز ووطدت هذا السير سواء في الصناعة أو في البنوك محولة لأول مرة الصلات بالصناعة إلى احتكار حقيقي للبنوك الكبرى وجاعلة هذه الصلات أوثق وأقوى جدا»(٢٥).

إذن، إن القرن العشرين هو نقطة التحول من الرأسمالية القديمة إلى الحديثة، من سيطرة الرأسمال بوجه عام إلى سيطرة الرأسمال المالي.






(١) الفريد لانسبورغ. «نشاط البنوك الألمانية في خمس سنوات»، مجاة «البنك» ر 8 سنة ١٩١٣ ص ٧٢٨. الناشر

(٢) Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk» في «Grudrib der Sozialökonomik». Tüb. , 1905 ص ص ١٣٧، ١٢ (شولتزه غيفيرنيتز. «بنك التسليف الألماني» في «أسس الاقتصاد الاجتماعي». تيوبينغين. الناشر).

(٣) R. Liefmann/ «Beteiligungs-und Finanzierungsgesellschaften. Eine Studie über den modernen Kapitalismus und das Effektenwesen». I. Aufl., 1909. - ، ص ٢١٢.

(٤) Alfred Lansburgh. «Beteiligungssystem im deutschen Bankwesen», «die Bank», 1910, 1 ، ص ٥٠٠ (الفرد لانسبورغ. «طريقة الاشتراك في أعمال البنوك الألمانية»، مجلة «البنك». الناشر).

(٥) «شركة التسليف الليونية»، «دائرة الخصم الوطنية» و«الشركة العامة». الناشر.

(٦) Eugen Kaufmann. «Das französische Bankwesen», Tüb. 1911 ص ص ٣٥٦ و ٣٦٢ (أوجين كوفمان. «حالة البنوك في فرنسا». تيوبينغين. الناشر).

(٧) Jean Lescure. «L’épargne en France». P. 1914 ص ٥٢ (جان ليسكور. «الإدخار في فرنسا». باريس. الناشر).

(٨) A. Lansburgh. «Die Bank mit den 300 Million», «Die Bank» 1914, 1 ص ٤٢٦ (أ. لانسبورغ. «بنك ذو ٣٠٠ مليون»، مجلة «البنك» ١٩١٤. الناشر).

(٩) S . Tschierschky ، المؤلف المذكور، ص ١٢٨.

(١٠) أرقام لجنة النقد الأمريكية National Monetary Commision (مأخوذة عن مجلة «البنك». الناشر)، سنة ١٩١٠، المجلد الثاني، ص ١٢٠٠.

(١١) أرقام لجنة النقد الأمريكية National Monetary Commision (مأخوذة عن مجلة «البنك». الناشر)، سنة ١٩١٣، ص ص ١٠٢٢، ٨١١ سنة ١٩١٤، ص ٧١٣.

(١٢) «Die Bank» , 1914,1 ص ٣١٦.

(١٣) Dr. Oscar Stillich. «Geld-und Bankwesen», Berlin 1907 ، ص ١٦٩. (دكتور أوسكاد شتيليخ. «النقود والنشاط البنكي». برلين. الناشر).

(١٤) Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk» في «Grudrib der Sozialökonomik». Tüb. , 1905 ص ١٠١.

(١٥) ريسر، المؤلف المذكور، ص ٦٢٩، الطبعة الرابعة.

(١٦) Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk» في «Grudrib der Sozialökonomik». Tüb. , 1905 ص ١٥١.

(١٧) «Die Bank», 1912, 1 ص ٤٣٥.

(١٨) نقلا عن شولتزه-غيفيرنيتز في «Grdr. d. S-Oek»، ص ١٥٥.

(١٩) «هاباغ» (هامبورغ-أميركا). الناشر

(٢٠) ييدلس وريسر، المؤلفان المذكوران.

(٢١) ييدلس، المؤلف المذكور، ص ص ١٥٦-١٥٧.

(٢٢) مقال لـ Eug. Kaufmann عن البنوك الفرنسية في مجلة «Die Bank» 1909، 2

(٢٣) Dr. Oscar Stillich, «Geld-und Bankwesen» ص ١٤٧.

(٢٤) ييدلس، المؤلف المذكور، ص ص ١٨٤-١٨٣.

(٢٥) ييدلس، المؤلف المذكور، ص ١٨١.

        

الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية

الفصل الثالث

الرأسمال المالي والطغمة المالية

كتب هيلفردينغ: «إن قسما متزايدا من الرأسمال الصناعي لا يعود إلى الصناعيين الذين يستخدمونه. وهم لا يستطيعون الحصول على امكانية التصرف به إلاّ عن طريق البنك الذي يمثل ازاءهم مالك الرأسمال. ومن الجهة الأخرى يتأتى على البنك أن يوظف في الصناعة قسما متزايدا من رأسماله. وبسبب ذلك يصبح أكثر فأكثر رأسماليا صناعيا. وهذا الرأسمال البنكي – أي الرأسمال النقدي – الذي تم تحويله بهذه الطريقة إلى رأسمال صناعي في الواقع، أسميه «الرأسمال المالي». «فالرأسمال المالي هو إذن الرأسمال الموجود تحت تصرف البنوك والذي يستخدمه الصناعيون»(١).

وهذا التعريف غير كامل لأنه لا يشير إلى ظروف في منتهى الأهميةـ نعني به نمو تمركز الإنتاج والرأسمالي إلى درجة يفضي معها التمركز وقد أفضى إلى الاحتكار. بيد أن مبحث هيلفردينغ بوجه عام ولا سيما الفصلين السابقين للفصل الذي اقتبسنا منه هذا التعريف يؤكد دور الاحتكار